المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نـوم السالكـين



رائد الربيعي
20-09-2004, 07:36 PM
نوم السالكين (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعـون) [الذاريات: 17]
نـوم السالكـين
النوم حاجة طبيعية لا يستغني عنه إنسان، وهو أمر لازم لابد منه لأجل الراحة، ولكن لا ينبغي أن يتعدى بالنوم قضاء الحاجة، فإن إطالة النوم يوجب المرض مضافاً إلى أنه يكون تضييقاً للوقت بلا فائدة، وإطالة النوم على خلاف السيرة المعروفة للصالحين الأبرار، فقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز، فقال: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [سورة الذاريات، آية 17-18] ، وفي آية أخرى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [سورة السجدة، آية 16] ، وقد كتب لهم من الجزاء مالا يعلم به أحد فقال تعالى: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة السجدة، آية 17].
فعلى السالك أن يأخذ بنهجهم ويسير بسيرتهم فينام مبكراً، ويستيقظ في الثلث الأخير من الليل ليصلي صلاة الليل، ويأتي بعدها بما أعده لنفسه من دعاء ومناجاة على حسب ما اختاره ووسعه وقته مواصلاً عمله حتى يطلع الفجر، ثم يبدأ في تعقيبات الصباح حتى تطلع الشمس، فلا ينام بين الطلوعين، فإن من نام بين الطلوعين نام عن رزقه، ففي الحديث الوارد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "نوم الغداة مشومة تطرد الرزق وتصفر اللون، وتقبحه وهو نوم كل مشوم، إن الله تعالى يقسم الأرزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإياكم وتلك النومة" [الوسائل، ج4، ص 1063].
وللنوم أعمال يُؤتى بها قبله:
أولها: الطهارة: فقد مر عند التعرض للطهارة استحباب الوضوء عند النوم، كما في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: "من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه مسجده".
الثاني: أن يكتحل، ففي حديث زراره عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "إن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يكتحل قبل أن ينام أربعاً في اليمنى وثلاثاً في اليسرى"، وفي البحار عن دعائم الإسلام أن النبي صلّى الله عليه وآله أمر بالكحل عند النوم، وأمر بالاكتحال بالآثمد، وقال: "عليكم به فإنه مذهبة للقذا مصفاة للبصر"، وما رواه الصدوق في ثواب الأعمال بسنده المتصل إلى أبي عبدالله عليه السلام قال: "الكحل عند النوم أمان من الماء".
الثالث: السواك: لما رواه في البحار عن مناقب ابن شهر آشوب في صفة سواك النبي صلّى الله عليه وآله، وكان يستاك كل ليلة ثلاث مرات: مرة قبل نومه، ومرة إذا قام من نومه، ومرة قبل خروجه إلى الصلاة.
الرابع: الاضطجاع على الجانب الأيمن أو الاستلقاء على القفا؛ لما رواه الصدوق في الفقيه في وصايا النبي صلّى الله عليه وآله، حيث قال: "يا علي النوم على أربعة: نوم الأنبياء على أقفيتهم، ونوم المؤمنين على أيمانهم، ونوم الكفار على يسارهم، ونوم الشياطين على وجوههم".
الخامس: التوسد باليد اليمنى يضعها تحت خده، ففي الخصال في حديث الأربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا نام أحدكم فليضع يده اليمنى تحت خده الأيمن".
السادس: استقبال القبلة، ففي الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إن المؤمن ينام على يمينه مستقبل القبلة".
السابع: قراءة سورة الحمد، لما في حديث الإمام الهادي عليه السلام الذي رواه في فلاح السائل قال: "إن لنا أهل البيت عند نومنا عشر خصال" عد منها توسد اليمنى وعد منها ـ كما يقول الراوي ـ "قراءة الفاتحة".
الثامن: قراءة آية الكرسي، ففي حديث أبي عبدالله عليه السلام المروي في الكافي قال: "ألا أخبركم ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول إذا أوى إلى فراشه؟ قالوا: بلى، قال: كان يقرأ آية الكرسي ويقول: بسم الله آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، اللهم احفظني في منامي وفي يقظتي".
التاسع: قراءة المعوذتين، وفي طب الأئمة بسند عن الصادق عليه السلام أنه عدها في جملة ما يقرأ عند المنام لضعف القلب والبدن.
العاشر: آية (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [سورة آل عمران، آية 18] ، ففي الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام الذي رواه في الكافي قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: "من قرأ عند منامه آية الكرسي ثلاث مرات، والآية التي في آل عمران (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ) [سورة آل عمران، آية 18]، وآية السخرة [سورة يونس، آية 3]، وآية آخر السجدة، وكل به ملكان يحفظانه من الشياطين شاءوا أو أبوا، ومعهما من الله ثلاثون ملكاً يحمدون الله ويسبحونه ويهللونه ويكبرونه ويستغفرونه إلى أن ينتبه ذلك العبد من نومه، وثواب ذلك له" [دار السلام للنوري، ج3، ص 88]، وآخر آية السجدة قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) [سورة فصّلت، آية 53 – 54].
الحادي عشر: آية (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [سورة الكهف، آية 110] إلى آخرها وهي آخر آية في سورة الكهف، ففي الحديث المروي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "ما من عبد يقرأ آخر الكهف حين ينام إلاّ استيقظ في الساعة التي يريد"، وهذا الذي ذكره الإمام من خصوصية هذه الآية أمر عجيب ولايتخلف ويعد من أسرار هذه الآية.
وأهم ما يؤتى به من الأذكار عند النوم هو تسبيح الزهراء عليها السلام، إذ وردت به عدة من الأخبار، ففي حديث السيدة الزهراء عليها السلام مع الرسول صلّى الله عليه وآله، حيث جاءت إليه تطلب منه خادمة قال: "أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما، فكبرا أربعاً وثلاثين تكبيرة وسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين"، وفي الحديث ا لمروي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام إذا أخذت مضجعك، فكبر الله أربعاً وثلاثين واحمده ثلاثاً وثلاثين وسبحه ثلاثاً وثلاثين"، وعنه عليه السلام في حديث آخر ما رواه في مجمع البيان أنه قال: "من بات على تسبيح فاطمة عليها السلام كان من الذاكرين لله كثيراً".
ويأتي بعده التهليل ثم الاستغفار، ففي حديث أبي عبدالله عليه السلام قال: "من قال حين يأوي إلى فراشه لا إله إلاّ الله مائة مرة بنى الله له بيتاً في الجنة، ومن استغفر حين يأوي إلى فراشه مائة تحاتت ذنوبه كما تسقط ورق الشجر".
ومن الأذكار الحولقة والصلاة على محمد وآله، ففي الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "دعاني النبي صلّى الله عليه وآله فقال: يا علي إذا أخذت مضجعك، فعليك بالاستغفار والصلاة عليَّ، وقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وأكثر من قراءة قل هو الله أحد فإنها، نور القرآن، وعليك بقراءة آية الكرسي، فإن في كل حرف منها ألف بركة وألف رحمة" [البحار، ج73، ص 220 – 221].
ويستحب عند الاستيقاظ من النوم أن يخر ساجداً لله لما رواه السيد ابن طاووس بإسناده عن الصادق عليه السلام حيث قال: "ما استيقظ رسول الله صلّى الله عليه وآله إلاّ خر لله ساجداً".

مع تحيات رائد الربيعي