المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طعام السالكين



رائد الربيعي
20-09-2004, 07:17 PM
(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) [الأعراف: 31]
طعـام السالكين
إن الغذاء للإنسان مهم، لازم لحفظ الصحة والبقاء، ومن أجل ذلك لا يجوز تركه حينما يجد نفسه محتاجاً إليه إلاّ لأجل الصيام، إلاّ أن التغذي مع لزومه ينبغي أن يكون باعتدال، وكما فرض في الشريعة بلا إسراف فيه (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [سورة الأعراف، آية 31]، بل وكما هو المفروض تكويناً فإن للمعدة مقدّر خاص في تقبلها للطعام وقدرتها على هضمه، ومتى زاد الطعام والشراب على ذلك المقدّر بطل عملها، بل إن الزيادة على المقدّر قد تستوجب التخمة التي قد تقضي على صاحبها في وقتها.
إذن علينا أن نعرف المنهج الصحيح الذي ينبغي اتباعه، فما هو هذا المنهج؟ وما هو الميزان؟ وما هي القاعدة التي يتم على أساسها الانضباط وعدم الانحراف؟ ذلك ما نقرأه في حديث الرسول صلّى الله عليه وآله المروي عنه حيث قال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فان كان ولابد، فليكن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث الآخر للنفس" [البحار، ج63، ص 329]، ومثله الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: "ليس لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه، فإذا أكل أحدكم، فليجعل ثلث بطنه للطعام وثلث بطنه للشراب وثلث بطنه للنفس". [البحار، ج63، ص 335].
وهذه القاعدة وهذا المنهج يتساوى فيه السالك وغيره، غير أن السالك له غاية يريد تحقيقها، وهي حصول الصفاء النفسي واعتدال المزاج والتهيؤ لتلقي الفيوضات الإلهية، وهو غير مضمون الحصول إلاّ إذا أخذ بهذا المنهج الشرعي المتبع في الطعام والشرب، بل عليه زيادة على ذلك أن يعتمد في ذلك جانب الزهد في كمية الطعام وفي نوعه، بأن يأخذ بالقلة في جانب الكم، وبالبساطة في جانب النوع، ويأكل القليل مما تيسر له من الطعام، فلا يلزم نفسه بأن يأكل أجود الأطعمة وألذّها خصوصاً أن في ذلك التقيد جانباً دينياً، وهو التأسي بأمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يحب من الطعام ما جشب، وكان يعتمد في غذائه على كسيرات من خبز الشعير، وكان يقول: "ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونساج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة".
كما أن في ذلك التقيد جهة أخلاقية، وهي مواساة الضعفاء من الناس الذين قد لا يجدون الطعام، وإن وجدوا لم يجدوا إلاّ البسيط منه، هذا على أن كثرة الأكل مبغوضة، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في ذمها، منها ما روي عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: "ليس شيء أبغض إلى الله من بطن ملآن" [البحار، ج63، ص 333]، وما روي عن الرسول صلّى الله عليه وآله أيضاً قال: "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن" [البحار، ج63، ص 330]، وخصوصاً أن الجوع يحقق غرض السالك، ففي الحديث المروي عن الرسول صلّى الله عليه وآله قال: "نور الحكمة الجوع والتباعد من الشبع" [البحار، ج63، ص 353]، ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون الأكل عند الجوع، فلا يأكل مع الشبع فإن الأكل على الشبع مضر بالصحة، بل يورث البرص، كما جاء في الحديث المروي عن الإمام الكاظم عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: الأكل على الشبع يورث البرص" [البحار، ج63، ص 331]، وفي حديث أبي عبدالله عليه السلام المروي عنه قال: "ثلاثة فيهن المقت من الله عز وجل: نوم في غير سهر، وضحك في غير عجب، وأكل على الشبع".
هذا كله في الطعام من حيث النوع والكم، وأما من حيث الحلية وعدم الحرمة، فمن المفروغ منه أن الطعام يجب أن يكون حلالاً، وهذا الحكم لكل مكلف ولا يخص السالك، ولكن يتأكد في السالك للحفاظ على غرضه، وهو حصول الصفاء النفسي والروحانية، ولا يحصل ذلك مع أكل الحرام، بل والمشتبه، فعليه أن يأكل ما أيقن بحليته ويترك المشتبه فضلاً عن المعلوم حرمته، وليجعل وصية أمير المؤمنين عليه السلام لابن حنيف نصب عينيه حيث يقول: "فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه" هذا على أن لقمة واحدة من الحرام إذا أكلها قد تضيع عليه بها ثمرة جهدٍ، وتريِّض قضى فيه زماناً طويلاً وتلك خسارة لن تعوَّض.
وقد جعلت الشريعة المقدسة للأكل والشرب آداباً ينبغي مراعاتها:
أولها: غسل اليد قبل الطعام، ففي حديث أمير المؤمنين عليه السلام قال: "من أراد أن يكثر خير بيته فليغسل يده قبل الأكل" [البحار، ج63، ص 352]، والحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "غسل اليد قبل الطعام وبعده زيادة في الرزق وإماطة للغمر عن الثياب ويجلو البصر" [البحار، ج63، ص 353].
وثانيها: التسمية قبل الأكل والحمد بعده، ففي الحديث المروي عن أبي الله عليه السلام قال: "اذكر اسم الله على الطعام والشراب، فإذا فرغت فقل الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم" [البحار، ج63، ص 374].