المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لعبادة غاية خلق الإنسان



فدك الزهراء
20-09-2004, 03:01 AM
لعبادة غاية خلق الإنسان

في سورة الذاريات المكية التي تحتوي على ستين آية مباركة، نقرأ قول الله سبحانه في الآية السادسة بعد الخمسين: (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون). لعل هذه الآية هي محور سورة الذاريات، حيث تحثنا ـ نحن البشر ـ على التوجه بكل وجودنا لرب العالمين، والتخلص من الأثقال المادية والأغلال النفسية والاجتماعية، فارين إليه من ذنوبنا وجهالتنا، هاربين إلى قوته وقدرته من الضعف والعجز اللذين نرتكس فيهما ارتكاسا.
واستلهاما من هذه الآية (56 الذاريات) نعي فلسفة القرآن في الحياة والهدف الأساسي للخلق، وهي حسبما يبدو فيما يتصل بالحياة الدنيا تتلخص فيما يلي: العالم خليقة الله سبحانه، والإنسان أكرم خلق الله في هذه الدنيا. وقد جعل القرآن الحكيم عبادة الله غاية خلقه، وهدف الوجود؛ فما هي العبادة؟
لكي نعرف أبعاد هذه الكلمة (العبادة) التي هي القيمة الأسمى في هذه الآية، دعنا نتأمل في آفاق معنى الخلق.
أول ما تعنيه كلمة الخلق، أن الإنسان حق، وبالرغم من أنه حق قائم بالله تعالى إلا أن ذلك لا يعني أنه ظلال أو مثال او نقوش في جدار الغيب المطلق.
والاعتراف بأن الكائنات حق، يعتبر نقطة البداية في بناء القيم الحياتية، لأن كل القيم ـ تقريبا ـ ناشئة من الاعتراف بوجود الكائنات.
ثانيا: انه ما دام مخلوقا، فهو لا يزال ناقصا؛ أو ليس المخلوق فقيرا إلى خالقه (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، أوليس المخلوق قائما بخالقه (واصبر وما صبرك إلا بالله)، كذلك الإنسان خلق من ضعف (الله الذي خلقكم من ضعف)، وأيضا خلق هلوعا (أن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا).
ثالثا: ان فيه أهلية التكامل؛ أليس الذي خلقه لا من شيء بقادر على ان يزيده كمالا ويبارك له في جسمه وعقله وقدراته؟
(تبارك الذي ان شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا).
وهكذا فإن العالم لم يكتمل خلقه، وهكذا فإن الرب لم ينقطع عطائه، وهكذا الإنسان إنما أوتي هذه الفرصة لكي يساهم في كمال العالم بدعاءه وحركته. فإذا دعا الإنسان ربه استجاب دعاءه، واذا عمل صالحا رفع الله عمله وآتاه من فضله، اذ قال ربنا عزوجل: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، وقال تعالى: (واسألوا الله من فضله ان الله كان بكل شيء عليما)، وقال سبحانه: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه).
وكما عطاء الإنسان يزيده كمالا ويطور حياته إلى الأفضل، كذلك بخله يوقف الكمال وقد يرديه إلى الأسفل (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء).
رابعا: لأن الله متعال عن النقص، لا يحده حد محدود، ولم يكن عطاؤه بمجذوذ، فهو الله الذي تبارك فلا انقطاع لفيض رحمته الواسعة، إذا لا حد لتكامل خلقه، ولا نهاية لتطوره إلى الأفضل؛ وحتى الجنة التي هي غاية المنى عند المؤمنين ليست بجامدة ولا محدودة، بل هي دار حشوها البركة، يزيد الله فيها المؤمنين ما يشاء. ومن هنا فحركة الإنسان في مسيرة التكامل لا نهائية وليست محدودة.
بعد هذا نجيب على معنى العبادة، وهي بكلمة؛ وسيلة التكامل، انها الصراط المستقيم إلى الله تعالى وإلى كل تكامل منشود وفلاح مبتغى وتطور إلى الأسمى.
وان عبادة الله تعني التحرر من كل عبودية أخرى؛ من عبودية الهوى والشهوة والمال والسلطة والتقاليد والأعراف.. مما يمنح الإنسان الكرامة التامة، وآنئذ يرتفع إلى مستوى التقرب إلى الله تعالى حتى يهب له الرب قدرة لا تحد، وحياة لا تنتهي، وقد جاء في حديث قدسي عن رب العزة سبحانه، أنه يقول: (يا بن آدم؛ أنا غني لا أفتقر، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنيا لا تفتقر. يابن آدم؛ أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حيا لا تموت. أنا أقول لشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك تقول للشيء كن فيكون) [كلمة الله، ص 140].
وهنا لابد من القول ان الله سبحانه ليس في موقع مرتفع نصعد إليه ماديا، ولا هو في مكان بعيد نشد الرحال إليه ونقطع المسافة الجغرافية بيننا وبينه.. إنه الله المتعالى عن احتواء الأماكن، وحدود المواقع.. إذن كيف يكون القرب من الله تعالى؟
إن لله الأسماء الحسنى، وإنما ندعو الله بها، وأسماء الله سبحانه هي أسمى معاني الكمال والجمال.. (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)، (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون)، (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى).
ماذا نفقه من هذه الأسماء؟
بالتدبر فيها نعرف أنها معاني الكمال، التي لو تجلت في الإنسان لابتعث مكانا محمودا. إنها العلم، القدرة، الرحمة، السلام، الأمن، الهيمنة، العزة، الجمال، الحكمة.. أليست هذه معاني الكمال التي ينشدها الإنسان؟ أوليست هذه هي وسائل القرب إلى الله؟ فالعالم أقرب إلى ربه من الجاهل (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، والمؤمن المقتدر خير من الضعيف (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، والرحمة أم الفضائل (رحماء بينهم)، والسلام أنشودة الخير (يا ايها الذين آمنوا ادخلا في السلم كافة)، والأمن وسيلة التقدم (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن)، والهيمنة عنوان المجد (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض)، والعزة جلباب المؤمن (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)..
وهكذا فإن وسيلة القرب إلى الله سبحانه تتضمن تلك المعاني الكمالية التي أمر بها، والتي بواسطتها تتحقق العبادة لله تعالى.
وأيضا عبادة الله تعني التسليم لله ولسنته التي أجراها، وبتعبير آخر، لتلك الأنظمة التي جعلها للكائنات أحد أبعاد حقيقة العبادة لله سبحانه، ذلك لأنه ما من شيء إلا وقد خلقه الله بقدر وإلى أجل ولهدف وبميزان.. وعبادة الله تعني التسليم لهذه الحقائق تسليما كاملا. قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)، وقال عزوجل: (ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى)، وقال جل وعلا: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون).
وهكذا التسليم يخلق حلة من الوئام بين الإنسان وبين الكائنات من حوله، وبين الفرد والمجتمع، وبين الفرد ونفسه.. كما يهدي الإنسان إلى أقرب السبل إلى الله سبحانه، والى كل معاني الخير.
وفوق كل ذلك تعني عبادة الله التبتل إليه بالسجود والركوع والضراعة وسائر ما يسمى بالعبادة بالمعنى الأخص.
إذن؛ فلنعبد الله حق عبادته بكل ما تعني العبادة من معنى، لانها غاية الخلق.

ندى الموسوي
20-09-2004, 02:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين

احسنتي وبارك الله فيكم على هذه الجهود الرائعة التي تبذلونها
وندعو الله ان يجعلها في ميزان اعمالكم
ونسأل الله التوفيق للجميع في أمور دينهم :)