المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القرآن الكريم وتربية الأمة



فدك الزهراء
06-09-2004, 03:42 AM
القرآن الكريم وتربية الأمة


بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية أحد أعمدة البناء الروحي للأمة، والأمة الناشئة كالأمة الإسلامية بحاجة إلى تربية أصيلة على صعيدي العلم والعمل والبناء الجديد، والقرآن الكريم بدوره أراد أن يبني حضارة قائمة على أساس العلم المقرون بالعمل والتحرك في مفاصل الأمة، والعمل الجهادي إن لم يكن له حظ من العلم فهو عمل غير طبيعي. قال رسول الله (ص) ((من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح))[1].

فيمكن لنا أن نقول أنهما في نسق واحد في حالة الحركة الثورية، ولو أنه لابد من سبق العلم على العمل حتى يكون ذلك العمل الذي تجسد في شخص المؤمن الرسالي على الواقع موفقاً.

والقرآن الكريم كتاب (علم وعمل) في آن واحد، وليس مجرد نظريات أو تشريعات يمكننا أن نخضعها للتجربة، ونرى مدى التجاوب معها وأين يكمن الخطأ فيها فنقوم بإجراء تعديلات عليه، إن هذا هو شأن البشر وعقله المحدد، بينما القرآن الكريم كتاب جاء من اللامحدود خالق البشر، فهو كتاب ((أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير))[2]. فليس الجانب العملي الذي تأكد من خلال ممارسة المسلمين الأوائل إلا تطبيقاً للجانب العلمي لتنظيم شؤون الناس الحياتية، فكانت تلك التعاليم التي أقرّها القرآن وواجبات الفرد والجماعة والحقوق العامة وإقامة الموازين بالقسط ليست تشريعات فحسب، بل هي تطبيقات جاءت مطابقة لسنة الله ومسايرة للتطور التدريجي في التغيير الذي حصل في المجتمع لذا فبفضل تنزيل القرآن على الناس بهذه الطريقة ـ أي نزوله شيئاً فشيئاً ـ تغير المجتمع على أثر هذا النزول التدريجي حتى لتتم عملية التغيير في كل جوانب المجتمع بنزول القرآن كاملاً في طيلة فترة الدعوة الإسلامية المباركة.

وكانت طريقة القرآن في بيان هذين الجانبين ـ العلم والعمل ـ هي مسايرة الحوادث والطوارئ التي تستجد عند المسلمين. فكان المسلم يتعلمها ويعلمها غيره بعد أن يعمل بها.

وكان الوحي يتردد في كل ما يستجد من أحداث وحسب احتياج الناس فيكون له الأثر الطبيعي البالغ في نفوس المسلمين ويكون للحكم النازل صفة الالتزام العملي المباشر. وهذه الكيفية من نزول القرآن مدرجاً على النبي (ص) هي التي أكسبته قوة التأثير فامتاز بأسلوبه العملي، وطريقته الفعالة في بيان الأحكام والتشريعات.

وهذا النزول التدريجي كان لابد منه لصياغة تلك النفوس في إطار جديد، وتربية إسلامية صحيحة لأنها قريبة عهد بالجاهلية، وبكل ما فيها من موروثات وسلبيات ومفاهيم خاطئة وأعراف لا يقرها العقل، فكانت تلك النقلة الحضارية قائمة على أساس من العلم الممنهج من قبل السماء.

فكان التدريج هو الخطوة العملية التي تستجيب لها النفوس والأسلوب المناسب للتغيير الجذري، لأن النقلة الفورية والمفاجئة غير مدروسة، وعادة ما تكون ارتجالية، وغير عملية، وقد تسبب ردة فعل قاسية مضادة تهدم كل ما ارادته رسالة القرآن.

ونختم ونقول: ان الرسالة القرآنية الخالدة كما هي قائمة على العلم قائمة على العمل المدروس والمنظم الذي ليس فيه حشو وكثافة وتراكم، باعتبار أن هذه الجماعة التي آمنت بالرسول الأكرم (ص) مبتدئة في تلقي الأحكام الجديدة فكان لابدّ من التمهيد لها بخطوات عملية متعاقبة لا متراكمة مع بيان الجانب العلمي وهو ما اشتملت عليه تلك الأحكام من منافع ومضار ومآثم.