مشاهدة النسخة كاملة : عندما ينتصر الضعف "رواية"
ابن الشهيد
04-02-2008, 12:00 PM
السلام عليكم ورحمة الله
أحببت أن أضع بين أيديكم هذه الرواية المتواضعة والتي تجسد واقعا مرا نعيشه
واقع التخلف
التخلف في التفكير
التخلف في التعامل
التخلف في المشاعر
واقع التناقض والمفارقات
واقع الإرهاب الأسري
واقع البطالة
واقع كل ذلك وأكثر
فلنترك الكلام ولنبدأ الرواية
قفصه الصدري يتقلص، واضطرابات تعصف بكيانه..... يتقلب على السرير، يكابد عناءًا مجهولا، حلمًا طالما راوده..... بل كابوسًا مزعجًا.
كلما أغمض عينيه كلما شاهد ذلك الكابوس أو أمثاله. حاول عدة مرات أن يغيِّر من وضعية نومه عله يتخلص مما ينغصه، ولكن دون جدوى، مال برقبته للوراء علَّ سوء حاله يتبدل ولكن وضعه يزداد سوءا.
العرق يتفصد من جبينه، وأوداجه تتبدى غليظة بارزة، حلقه صحراء قاحلة خالية من الريق، يتنفس بصعوبة بالغة..... يحاول تنظيم أنفاسه جاهدًا إلا أن ذلك المارد الجموح ما يزال جاثما على صدره الصغير..... سيارة مسرعة للغاية تمر من أمامه..... تحاذيه بشدة، وكأنها اصطدمت به..... يصحو على إثر ذلك وقد غطى العرق كل جسده.
نهض من السرير فزعا هلعا شاحب اللون وكأنه من عالم آخر..... استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وبينما هو يحاول لملمة شتات نفسه وإذا بجواله يرن وبحركة آلية مد يده للجوال، رمق المتصل بعين نصف نائمة وقرأ الاسم "أم أحمد".
رمى بالجوال دون أن يجيب وكأنه يتحاشى مواجهة ما، وعاد للنوم.
لحظات وإذا بالجوال يرن من جديد قرأ الاسم مرة أخرى "أم أحمد"، أضاء "الأباجورة" ثم جلس على حافة السرير، وبعد أن هدأ الرنين أشعل سيجارة، تنفسها بكل لذه..... وبعد عدة أنفاس عاود الجوال رنينه. حمل الجوال أمام وجهه وراح يتأمل الاسم وصراع نفسي مرير يلهب وجدانه، سؤال واحد دار في خلده..... هل أرفع السماعة أم أتجاهل؟! سؤال طالما راوده في مثل هذه الحالة..... أحيانا يكون الفوز لـ "أرفع" لكن الغالب يفوز "أتجاهل".
بقي محملقا في الاسم حتى سكن الرنين، حينها أدار الجوال على وضعية "صامت" وغاص في سريره طالبا للنوم.
***
نهضتْ من غيبوبتها بعد ساعة، أجالت بصرها في الأرجاء، الظلام الدامس يحيط بها من كل حدب وصوب..... يتغشاها..... يلفها..... يغمرها من رأسها حتى أخمص قدمها.
لا بصيص نور، ولا حتى فتحة صغير يتسلل منها الشعاع. أدركتْ أنها في تلك الغرفة المشؤومة وبذلك الوضع المزري الذي اعتادت عليه طيلة الخمس سنوات الأخيرة.
تذكرتْ كل ما حصل، ابتداءًا من دخول زوجها إلى المنزل وانتهاءًا بلحظة الظلام تلك، والتي تستمر لفترة تتراوح ما بين الساعة إلى اليوم الكامل.
تراءى لها كل شيء وكأنها تعيشه للتو واللحظة.....
دخل زوجها بجسمه الهائل وعضلاته المفتولة والفرحة والسرور يسيطران على كيانه، كان متزينا بكل ما يعرف من زينة..... غترة جديدة، وعقال جديد، وطاقية جديد، وقد تعطر بأغلى أنواع العطور وأشذاها، ووضع "الكبك" النفيس والقلم المذهب والذي لا يتعدى دوره أن يكون مجرد زينة ومظهر خدَّاع، حتى يظن من يراه أنه من أصحاب القلم ومن أولي الحجى.
مر بزوجته المنطوية على نفسها دون أن يلتفت إليها أو يكلمها، غادرها ونظرات شامتة تتجه نحوها، ثم دلف لغرفة أبنائه دون أن يطرق الباب، قام الأبناء ووقفوا دون حراك أمامه.
ابنه أحمد واقف كخشبة مسندة يرقب والده ذا الملامح الهادئة والسحنة التي تُظهر الطيبة، وينتظر عاصفة عاتية هوجاء مختبئة بين طيات ذلك الرونق الخادع والمظهر البديع.
وابنه الثاني علاء حملق في وجه أبيه بنظراته الباردة المعهودة.
بينما اختبأ الابن الأصغر فؤاد في دورة المياه متحاشيا رؤية أبيه.
انبلج لسان الأب يهز ذراتهما هزا: أراكم لم تتهيئوا بعد!
وكان يعني بـ "أراكم" الواقفَين أمامه إضافة إلى المختبئ.
جاء الجواب صريحا من أحمد وأخيه علاء: .....
إنه الصمت المطبق.
- تكلما، إني أتحدث معكما..... لم لم ترتدوا ثيابكم الجديدة؟! ألم أقل لكم أن زواجي في هذا اليوم وأريد رؤيتكم فيه؟!
- حينها انبلج لسان أحمد الكليل ناطقا بجملة واحدة خرجتْ من بين طيات خوفه الجم: قلنا لك..... لن نذهب.
ما أن أتم أحمد جملته حتى وجد تلك الكف الحديدية تهوي على وجهه..... رمته قوة الصفعة على الأرض، ثم قام بعيون مغروقة ووقف نفس الوقفة الساهمة، بينما هدر الأب في هذر بذيء لا حد له: أيها الحيوان الحقير، كيف تجرؤ على عصيان أوامري؟! ألم أنهك عن مثل هذه الأعمال الصبيانية؟! متى ستكبر؟! متى ستصبح رجلا؟! ألا تتعلم أبدا أيها العجل بلا قرون؟! أيها الفاشل، أيها "التمبل"..... كلما علمتكم أصول الأدب والدين كلما ازددتم عنادا وعتوا وبعدا عن التعاليم.....
استمر يهرف بما لا يعرف مازجا التدين بالبذاءة، والحق بالباطل، والجمال بالقبح مدة خمس دقائق، ثم هدأ طوفانه العارم قليلا.....
التفت إلى علاء وقال: هيا بنا.
قال علاء بصوت أشبه بالهمس: لا أريد الذهاب.
وهنا جاءت الصفعة الثانية على وجه علاء هذه المرة، إلا أنها لم تكن الصفعة الأخيرة حيث طرحهما أرضا وأعمل فيهما العقال بوحشية لا حدود لها وهو يزبد ويرعد ويرغي ويجلجل بصوت ملحمي هدار: هكذا علمتكم أمكم "الكلبة"، هكذا ربتكم بنت الأصول على عصيان أبيكم.....
بينما حاولا تحاشي الضربات بأيديهما.
صرخ الأب: أين أخوكم؟!
- إنه في الحمام.
توجَّه للحمام وضرب الباب بجنون وهو يصيح: افتح الباب يا حيوان.....
لم يكن بحاجة إلى تكرار أمره حيث لبى فؤاد الطلب دون أن يحاول المقاومة، سحبه من شعره الناعم والذي طالما اعتد به وتفاخر بمظهره أمام أقرانه، وطالما نهرهم لمجرد لمسه..... توجه به للحجرة وهو يقول: وأنت ألا تريد الذهاب؟!
- لا أريد.
حينها ضمه ثالثا لأخويه وبدأ يضربهم بجنون..... بدأ فؤاد ذو الأعوام الثلاثة عشر بالبكاء من أول ضربة، بينما اكتفى علاء ذو الأعوام الخمسة عشر بالزعيق العالي والصراخ دون أن تنزل دموعه إنما كان يحاول إظهار شدة تألمه كي يتوقف الضرب، أما أحمد ذو الأعوام الثمانية عشر فكان يتلقى الضربات والركلات دون أن يبكي ودون أن يصرخ ودون أن يتحاشاها بل كان كجماد لا إحساس فيه ولا شعور.
انتهى الأب من موجة الضرب العملاقة، ثم أخذ من أبنائه الجوالات..... لم يُبقِ أي جوال..... أخذ من أحمد مفاتيح السيارة والمنزل وحذرهم من الخروج، ثم توجه لزوجته الوادعة، هتف في وجهها: أنتِ من علمهم على التمرد.
ودون أن ينتظر الجواب بدأ يضربها ويركلها بكل صلافة ووحشية..... وقعت قبضاته في كل مكان من جسدها البض..... لم يستثنِ حتى الأماكن الحساسة، بينما حاولت تحاشي الضربات بكفيها وقد اجتاحتها موجة بكاء عالية الإيقاع.
وبعد أن انتهى من عمله خطف جوالها من حقيبتها عنوة وجرها كالبهيمة من شعرها إلى تلك الحجرة..... أدخلها قسرا، وبلا رحمة أو شفقة أقفل الباب بالمفتاح..... المفتاح الوحيد لتلك الحجرة.
صرخت والرعب تملك جوانحها: حرام عليك..... لا تتركني هنا..... إني أخاف..... أرجوك افعل ما تشاء..... تزوج أربع ولكن لا تعاملنا هكذا..... نحن بشر ولسنا حيوانات.
لم يكن لكلامها أي واقع، فهي تتألم من زواجه الثاني أشد مما تتألم من الضرب ولكنها تحاول بذلك عدم إعطائه أكبر من حجمه وعدم إشعاره بأنها ما تزال تحبه وتغار عليه.
- اخرسي أيتها الحقيرة، أمثالكِ من النساء لا يأتين إلا بالعصا والعقال.
توجَّه إلى عداد الكهرباء الداخلي، فتح القفل ثم فصل الكهرباء عن تلك الحجرة التي احتجز فيها زوجته، أقفل العداد من جديد، ثم توجَّه للهاتف الثابت وفصل الخط.
وبعد أن قلب المنزل رأسًا على عقب عدَّل من وضعيته واستبدل غترته وعقاله وخرج متوجها لعرسه وكأنه لم يفعل شيئا.
حالة من الذعر والخوف الأهوج غطت وجود أم أحمد..... بكاء ممزوج بهستيريا ممضة..... تملكتها هواجس مقيتة لا تبقي ولا تذر حتى صارت في غيبوبة طويلة.
للرواية تتمة فترقبوها
ابن الشهيد
07-02-2008, 04:19 PM
أفاقت من غيبوبتها بعد أن غابت في عالم الوحوش والكوابيس، تلفتتْ ذات اليمين وذات الشمال علها ترى شيئا، لكنها لم ترَ غير الظلام الدامس يتغشى المكان، حاولتْ استجماع شتات نفسها ولملمة بضعها المقسمة، حاولتْ التفكير بتعقل..... ما الذي يمكنني فعله؟! ما الذي يتوجَّب عليَّ القيام به وأنا حبيسة في هذا السجن المنزلي؟! هذا السجن الانفرادي المظلم؟!
وفي لحظة إلهام تذكرتْ أنها خبأتْ جوالها الثاني في زاوية من زوايا تلك الحجرة، حاولتْ إيجاد تلك الزاوية على الرغم من ذلك الظلام المطبق، وبعد دقائق أصبح الجوال الرخيص الثمن في يدها، أدارت الأسماء حتى استقر على اسم شقيقها الأصغر علي، اتصلتْ به ولكنه لا يجيب، أعادت المحاولة مرة أخرى دون جدوى، نظرتْ إلى ساعة الجوال، إنها الحادية عشرة، خمَّنتْ أن يكون نائمًا، ثم فكرتْ أنه يتوجَّب عليها إيقاظه فالأمر مهم للغاية..... تكررتْ المحاولات دون نتيجة. تساءلتْ..... لم اشترى أخي لي هذا الجوال الاحتياطي إذا كان لا يريد أن يرد على مكالماتي؟! لا شك أنه نائم، فهو من طلب مني الاتصال به عند الحاجة، وهو من وقف إلى جانبي في محنتي فيما ابتعد عني الجميع..... عائلتي الكبيرة على ضخامتها تخلت عني..... لم تقوَ على الوقوف بوجه ذلك الهمجي الأرعن، بل لم تحاول الوقوف بوجهه..... الشيخ عدنان رجل الدين في عائلتي تهرب من المواجهة كأي رعديد جبان، لم يمتلك الشجاعة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، بل اكتفى أن يعظ الناس من برج عاجٍ: الغيبة حرام..... الكذب حرام..... قطيعة الرحم حرام..... صلوا..... صوموا..... حجوا..... توبوا..... أنفقوا.
هذه الأشياء التي لا يجد غضاضة في التصدي لها، ولكننا لا نراه إذا اشتد الوطيس وتعانقت السيوف واقتدحت الأسنة.
فكرتْ أن تتصل بذلك الشيخ، وعلى الرغم من معرفتها السابقة بأن الاتصال به لن يضفي أية نتيجة سوى خيبة أمل جديدة تُدرج ضمن خيبات أملها السابقة إلا أنها اتصلتْ به..... فقد كانت كغريق موشك على الرحيل يتعلق بقشة متشبثا بالحياة.
جاءها صوت الشيخ عدنان ناعسا رتيبا: السلام عليكم ورحمة الله.
- وعليكم السلام..... أدركني يا شيخ عدنان.
- ما بكِ يا ابنتي؟!
- الحيوان ضربني.
وبعد صمت قال الشيخ في محاولة مكشوفة للتملص من المواجهة: إني نائم يا ابنتي.
أغلقتْ السماعة وغضب عارم تملكها، تفكرتْ في مقولته..... "نائم" وكأنه يريد أن يقول: إنكِ تشغليني بتوافهك الصبيانية بينما أنا في شغل جليل شاغل، شغل لا يمكنني تأجيله.
احتقرت ذلك الشيخ الذي لم يحس بمعاناتها الكبيرة واستهان بمشكلتها الجسيمة أبشع ما تكون الاستهانة، تبرأتْ منه في قرارة نفسها وعقدتْ العزم على عدم اللجوء إليه مرة أخرى مهما تكبدتْ من آلام، لن تعرض نفسها للذل بترجِّيه والضراعة إليه، لن تسفك ماء وجهها على أعتابه.
ولكن ما أصنع يا إلهي؟!
سؤال طالما انطلق من وجدانها دون أن يجد الجواب الشافي.
***
ضرب قبضته بالباب الخشبي وغضب عارم تملكه حتى النخاع، نظر إلى طوله الفارع في المرآة..... شاربه يغطي جزءًا من وجهه ولحيته تغطي الباقي، رجل في الثامنة عشر، قُبل للتو في كلية الهندسة ومع ذلك يقف واجما أمام أبيه لا يبدي أي رأي، بل يتلقى الضربات كما لو كان طفلا في السادسة من عمره دون أن يقدر على اتخاذ أي موقف أو قرار..... فلا يزال القرار بيد أبيه، أبيه الذي يخافه أكثر مما يحبه أو يحترمه، فسلطويته لا حدود لها، وساديته لا تعرف التوقف، ودكتاتوريته تأبى الانكفاء..... لا يعرف أي معنى للأبوة والمحبة إنما يعرف فلسفة الطاعة العمياء، الطاعة التي تنفذ فحسب دون نقاش أو جدال.
فما الذي يمكنه فعله مع ذلك الأب العنجهي المتزمت؟! ذلك الأب الضليع في فنون الإرهاب الأسري، المتمرس على كل شيء له علاقة بالقسوة..... برنامجه كله قسوة في قسوة، يبدأ إفطاره الصباح بلحمة رأس، ثم يتوجه لعمله في الشرطة..... يختلط مع اللصوص والمجرمين والهمج فيكتسب منهم البربرية، ثم يتناول طعام الغداء المكون من اللحم أو السمك أو الدجاج..... يذهب إلى إحدى صالات القوى بمعدل ساعة ونصف يوميًّا ليقوم بتمارين الحديد، وفي الليل يتناول البيض الني والسلطات والخضراوات والتمر واللبن ونحوها، ويبتعد عن كل شيء قد يضر بجسده، فلا يشرب المشروبات الغازية ولا يأكل المعلبات الحاوية على المواد الحافظة ويحرص على ألا يسهر ليلا وألا ينام تحت وحدات التبريد.....
بكى أحمد لكل شيء..... لقسوة أبيه، لحال أمه المسكينة وما تتكبده من عناء في حياتها البائسة، لحال أخوته، وأخيرًا لضعفه واستكانته.
أما علاء فبمجرد خروج أبيه غاص في بحر لجي من اللعب في "البليستيشون".
كان هكذا ديدنه دومًا عندما تحدث زوبعة في المنزل، وكأنه غير واعي لما يدور من حوله..... تارة يلعب "البليستيشون"، وتارة يتشاغل بقلي البطاطا، وتارة يشاهد قناة "سبيستون".
تشاهده أخته الكبرى نوال فتصب جام غضبها على رأسه الصغير: الطول طول النخلة والعقل عقل "السخلة". أمك المسكينة محبوسة في غرفة مظلمة لا أحد يدري أحية هي أم ميتة وأنت تلعب "سوني"!
استوعب علاء كلامها بين طيات نفسه اليائسة..... ولكنه لم يتكلم إنما رمقها بنظرة باردة وعاد من جديد إلى لعبته..... غادرتْ نوال بينما تمزق علاء من الداخل..... لم لا يفهمني أحد؟! ألا يعلمون أني أكثرهم حزنا لما يحدث وأكثرهم حبًّا لأمي وتألمًا لما تكابد؟! ألا يعلمون أني إنما أنفس عن نفسي فقط..... ليس لدي رأي أو قرار لذا أفضل إخفاء ضعفي وعجزي بتلك اللعبة، أخفي دموعي في مناديل الترفيه الكاذب، أخفي مأساتي وجروحي..... تلك الجروح الكبيرة بعيدة الغور علها تبرأ وتشفى.
***
بعد أن غادرتْ نوال من عند علاء توجهتْ لتلك الحجرة المشؤومة، طرقت الباب بعنف وقد تملكها الألم والخوف على أمها..... هتفتْ بصوت عالٍ: أماه..... أجيبيني أرجوكِ يا أمي..... تحدثي إليَّ..... كلميني..... قولي شيئا.
وبعد صمت طويل جاء صوت أم أحمد ضعيفا مهموسا على دفعات: نعم يا..... نوال..... إني أسمعكِ.
- هل أنتِ بخير يا أمي؟
- أضلعي تؤلمني.
- وا لهفتاه عليكِ يا نور عيني.
- أنا عطشى..... أريد ماءًا.
وبعد بكاء مُر قالت نوال: كيف يمكنني أن أقدِّم لكِ الماء أماه؟! فالمنافذ كلها موصدة.
- لا أعلم، ولكني أكاد أموت عطشا..... أكاد أموت.
- حسنا أمي سأتصرف.
ذهبتْ نوال إلى المطبخ، بحثتْ عن أضعف إناء وملأته بالماء ثم عادت..... حاولتْ تمريره من أسفل الباب ولكن دون جدوى فقد كانت الفتحة ضيقة للغاية بحيث لم تتمكن من تمريره..... أصابتها خيبة أمل كبيرة، أما الأم فراحت في نوم عميق من عظم النصب والإعياء.
ذرفتْ نوال ما قدر لها ذرفه من دموع..... أما فؤاد فقد كان مشغولا بتلميع دراجته الهوائية والتي يحبها أكثر من أي شيء آخر.
الكل منهمك بشأن ما، ولكن قلوبهم تبطن خلاف ما تظهر، فالكل يحاول النسيان ولكن بطريقته الخاصة.
***
بومحمد
08-02-2008, 10:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سلمت اخي ابن الشهيد و يعطيكك الف عافية
ودمت موفق ^^^
ابن الشهيد
10-02-2008, 02:37 AM
بو محمد
اهلا بكم
وحياكم الله معنا
ابن الشهيد
13-02-2008, 03:17 AM
تتوافد الحشود زرافات ووحدانا..... المصابيح تغطي المكان بضياء يخطف الأبصار فترتد حسيرة..... أحاديث شتى تدور في مختلف المجالات..... همسات وهمهمات ترتسم على الشفاه، لا أحد يدري فيمن يتحدث كل اثنين، ويحاول كل واحد طرد فكرة أن يكون الحديث يدور حوله بتصور حديث عام عن السيارات والجوالات والخدم والعمل وكل شيء لا قيمة له، فهذا هو الحديث السائد هذه الأيام..... هل سمعت شخصا يحدث صاحبه عن الأخلاق أو الفضيلة أو التقوى؟! إنها لا تعدو أن تكون مصطلحات سطرت في كتب طمس الغبار معالمها، مواضيع هي أقرب إلى مصاديق للمثالية..... فلا وجود للأخلاق أو التقوى، إنها أكذوبة كبيرة لا يصدقها إلا القليل، أو فلنقل إنها حقيقة ناصعة ولكن لا يراها إلى القليل، حقيقة وليست نظرية ولكن الجميع تجاهلها وجعلها من سقط المتاع.....
وتزودوا فإن خير الزاد.
لا تكمل فلقد تبدلت الآية، وإن كان لزاما عليك أن تكمل فأكمل بواقعية أكبر وقل: "المادة..... النساء..... كل شيء متصل بالعالم السفلي" ولكن لا تقل "التقوى" فهي سمل بال أكل الدهر عليه وشرب.
يا الله..... ماذا يقول هذا الزنديق إنه يحرف القرآن، يهرف بما لا يعرف، اخرس أيها الخارجي كي لا تخسف بنا الأرض.
ولكن هذا ما أراه.
لأنك أعمى.
وهل تتمتع أنت بالتقوى والأخلاق.
بكل تأكيد.
إذا فلم رميتني بالزندقة قبل هنيهة.
احرنجم في شدوه لا يدري ما يقول.
لم نعتني بالخارجي؟!
لا جواب.
هل بدأت تؤمن بما أؤمن به؟!
إنك تتحدث من منطلق الواقع المعاش.
هذا ما أردت إفهامه لك..... لعقلك الصغير.
لم يعد صغيرا..... لقد فهمت مرادك.
انظر إلى العريس، إنه مراهق في الثامنة والأربعين متربع في كبد الاستراحة يستقبل الضيوف والمهنئين وعلى وجهه نقشت ابتسامة دميمة، هل تظنه يتكلف الابتسامة؟!
بالتأكيد فالكل يتكلف..... هم يهنئونه بابتسامة عريضة ولكن لا تعلم ما يدور في قلوبهم فلعلهم يضحكون على تصرفاته الصبيانية، ولعل حوارًا ساخرًا يدور في الداخل..... في الأحشاء، فيقول القلب بعد أن يكتم ضحكة هازئة: إنه قوي كالحمار بحيث يتزوج ثانية.
فيجيبه المريء: دعك عن الخوض في غير شؤونك.
فيقول القلب الذي لا يعرف إلا أن يقول ما يشعر به: اخرس أيها الأخرق.
ثم يضيف: إني أكرهك من أعماق قلبي.
حينها يبتسم الشريان ويقول بدهاء: أنت القلب فمن أين لك بقلب حتى تتحدث عن أعماقه؟!
فيقول القلب: لكل شيء قلب.
فيرد الدماغ الذي لا يعرف سوى لغة الأرقام والحقائق: حينها سندخل في سلسلة لا نهائية وسنقع في التسلسل والدور، فنقول للقلب قلب ولقلب القلب قلب ولقلب قلب القلب قلب.....
وتقاطعه الرئة: اخرس فنحن في عرس ونريد الرقص.
فيجيب القلب: ماذا تفعلين هنا يا رئة فالنساء في الناحية الأخرى من الاستراحة. فتجيبه: أنا حرة أرقص حيث أشاء.
فيقول القلب: وأين شقيقتكِ؟!
وتجيبه: في الناحية الأخرى، انظر هناك حيث النسوة.
فيقول: هي أطوع منكِ.
فتجيبه: لا بد من أن نتمرد..... فكل تغيير لا يأتي إلا عن طريق التمرد.
وتضيف بغطرسة بادية: وأنا من منطلقي هذا أنصح كل امرأة على التمرد، لا سيما النساء المظلومات، عليهن إبداء الوجه الآخر لعملتهن.
فيصيح الدماغ: إنك مصدر شر، تفاحة فاسدة لا شك ستلوث الجيد من التفاح.
ويستمر النقاش حتى منتصف الليل، أما العريس فقد كان فرحًا منفرج الأسارير إلا أن ابتسامته الصفراء لم تزده غير بشاعة وسوادًا، جحظت عيناه كما لم تجحظا من قبل..... بدا كما لو أنه من الأموات الضاحكة، "زامبي" يبتسم! مسخ له هيئة بشر ويسمى بأبي أحمد.
المرطبات تتقاذف في كل مكان، وتغاريد الفرح تصخب في الأرجاء، تهز المكان، تزلزل النفوس، تزعج الجيران.
وتمر الساعات، متناقضة..... فبينما تدب بطيئة كدبيب النملة على أم أحمد تزحف راكضة كجيش عرمرم على أبي أحمد.
قضت أم أحمد تلك الليلة بحزن عارم وكآبة قاتلة بين إغماء وبكاء وندب حظ، تندب شبابها الذي تصرم في خدمة ذلك الوغد، تتخيل زوجته الجديدة بكل تقاطيعها..... لا شك أنها جميلة..... جميلة للغاية بحيث دفعته إلى الزواج بها..... لا شك أنها "دلوعة" مغناج، تكسر الكلام كما يتكسر الزجاج، تتهادى وتتراقص في مشيتها كما تتراقص الأغصان إن هبت بها الريح..... أغرته بكل ذلك.
تحاول أم أحمد ألا تبكي، تحاول إقناع نفسها بأن ذلك الحقير الخائن لا يستحق ما تذرفه من دموع ولكنها لا تقوى على حبس دموعها، فبينما عقلها يملي عليها الأوامر ينفذ قلبها خلاف ما يأمر العقل.
يصيح العقل في وجه القلب: دعني أتحكم في الأمور أيها اللعين، إنك تقتلها بما تزيف لها.
فيجيب القلب: إنها امرأة مسكينة دعها تنفس عن وجدانها، دعها تخرج ما تراكم في نفسها المرهفة.
ثم يلتفت إليها ويخاطبها: ابكي يا أم أحمد ابكي ولا تلجمي دموعكِ.
يقاطعه العقل: بل احبسي دموعكِ وحذارِ من أن يراها، فهو لا يستحق تلك الدموع.
وأم أحمد ضائعة بينهما لا تعرف من تصدق ومن تكذب، إلا أن سلطة القلب أقوى من سلطة العقل..... فعلى الرغم من أن العقل هو القائد الرسمي ولكن للقلب مكانة خاصة لا يحظى بها أي عضو في تلك المنظمة.
***
سواء كانت بطيئة أم سريعة إلا أنها تمر. ساعة تلو ساعة حتى انتصف الليل وأشارت عقارب ساعة أبي أحمد إلى الواحدة، حينها انفض العرس وغادر المدعوون إلى منازلهم الوادعة، ينامون هانئين قريري العين بسلام، ويغادر أبو أحمد العريس الجديد المتشبب مصطحبا زوجته الجديدة..... يمر بالقرب من منزله القديم، يتذكر أمرًا قد نسيه طوال تلك الساعات المنصرمة فيوقف السيارة ويترجل بعد أن يخاطب زوجته الجديدة: سوف أعود حالا يا حبيبتي.
يقتحم المنزل بعد أن بدل تلك الابتسامة المنمقة إلى تجهم ذي لون ممتقع كلون الموت، يستقبله الأبناء بوجوم رهيب وقلوبهم تلهج بالدعاء راجية أن تمر هذه اللحظات على خير، اصطف الأبناء وكأنهم في طابور جيش، ثلاثة ذكور وفتاة وثلاث بنيات صغيرات، تأملهم باحتقار، ودون أن ينبس ببنت شفه توجه للعداد، أخرج مفتاح القفل من جيبه ثم أعاد الكهرباء إلى تلك الحجرة..... حجرة التعذيب الانفرادي، رمى بمفتاح آخر ناحية نوال ثم خرج.....
عاد إلى سيارته، إلى معشوقته الجديدة، حرك السيارة متوجهًا لمنزله الجديد..... أقفل الباب بالمفتاح، وحدَّق في زوجته الشمطاء..... إنها تكبر أم أحمد بسبع سنين وهو يكبر الشمطاء بثمان سنين.
وضع يده بيدها ثم قال كما لو كان مراهقا بسن ابنه أحمد: أخيرًا ضمَّنا منزل واحد يا حياتي!
أجابت بصوت بشع صاخب ولكنه بدا في أذني أبي أحمد كهديل حمام رقراق أو كسيمفونية عذبة من سيمفونيات بيتهوفن، أو كمواء هرة مدللة كسولة، أو كزقزقة عصفورة ناعمة: أخيرًا سننعم بالسعادة!
اقترب منها حتى صار لصقها، احتضنها لصدره: أنتِ فتاتي التي طالما حلمتُ بها.
يكذب، وهو يدرك أنه يكذب.
أجابته بصوت ناعس: أنت فارس أحلامي الذي انتظرته طوال حياتي.
وهنا الكذب متبادل.
واختلطتْ الشفتان في صراعٍ ضارٍ وتسابق محموم لامتصاص الريق. استل كل ما فيها من ريق عفن وقد كان في لسانه كسلسبيل بارد أو شهد محلى ممزوج بلبن..... قبلها في أنحاء وجهها وغابا تحت دثار سميك وقد أطفئت الأنوار وهدهدت العتمة إلا من بصيص نور مصباح باهت تمامًا كلون وجهيهما.
***
ما الذي سيحدث مع أم أحمد؟!
هذا ما سنعرفه في الجزء التالي
ابن الشهيد
18-02-2008, 12:45 AM
حملتْ نوال ذلك المفتاح المصبوغ باللون الأحمر والذي حفظتْ شكله بسبب كثرة رؤيته، فتحتْ باب حجرة التعذيب والعبرة تخنقها لتجد أمها النحيلة مسجاة على الأرض كجثة هامدة فارقتها الروح للتو..... انقضت عليها بهلع مجنون، وضعتْ ذلك الرأس الصغير على حجرها وهتفتْ مخاطبة البنيات الصغيرات الأولى تجمهرن حولها: ماء، هاتوا ماءًا.
هنيهة وإذا بكؤوس الماء تتوافد محمولة على تلك الأكف الرقيقة تتراقص لينتثر الجزء الأكبر على الأرض، فاطمة تحمل كأسًا، وبثينة تحمل آخرَ، وزينب تحمل ثالثا.
استلمت نوال أحد الكؤوس بينما وجمت الفتيات يرقبن ما سيحدث بعيون متوثبة للانفجار. رشحت نوال وجه أمها بالماء..... نضحته بتؤدة ورقة: أماه..... أماه أفيقي أرجوكِ، أرجوكِ لا تتركينا فنحن بأمس الحاجة إلى لمساتك الملائكية، أماه من لنا بعدكِ؟! أرجوكِ انهضي من غيبوبتكِ وأعيدي الحياة للمنزل، ألا ترينه بات كئيبا يقطر باللوعة والحداد؟!
جرت دموع نوال كبحر هادر أهوج لتستقر على وجنة أمها..... وعلى حرارة تلك الدموع الصادقة أفاقت الأم بالتدريج، ضمت صغارها بقلب ملؤه الرحمة والحنان وراحت عيونها تسبح في بحر من الدموع.
مدت نوال كأس الماء لفم أمها: اشربي الماء.
بدأت الأم تكرع من الماء وكأنها لم تذقه منذ ثلاثة أيام..... شربت الكأس الأول دفعة واحدة ثم أتبعته بالثاني: العطش كاد يقتلني، حسبي الله على الظالم..... بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله.
تحاملتْ على نفسها، وبمعونة نوال تمكنتْ من النهوض، توجهتْ نوال بأمها لحجرتها والبنيات من خلفها يمشين، دخلوا الصالة ليجدوا علاءَ منهمكا في لعبته بحيث لم يشعر بهم..... لم تعلق الأم على المشهد على الرغم من أنه يستثير ألف تعليق، فقد تعودت على هذا المشهد من علاء، مشهد اللامبالاة.
غادرت الصالة ودخلتْ حجرتها، تمددتْ على السرير وتمدد الصغار بجانبها، ضمتهم لصدرها الرؤوم وسرحتْ في عالم من التفكير.....
تذكرتْ والدها المرحوم ناصر، تذكرتْ تحنانه الجم وصدره الكبير، تذكرت كيف كان يباريها من نسمة الهواء، لقد كانت طفلته المدللة، لا يرضى بإيذائها، يتضايق كثيرًا حينما يسمعها تبكي، يناغيها مناغاة الأم الرحيمة بكل ودٍّ وسرور، ولا يسمح لأخوتها بأن يؤذوها، يجلسها في حجره ويلعب معها كأنه في مثل سنها..... ربما آذته بشقوتها الطفولية إلا أنه لم يكن يتضايق، وربما تبوَّلت في حجره إلا أنه لا يزجرها بل يستقبلها بتوبيخ هو أقرب للملاطفة، جرت دموعها لتلك الذكرى العزيزة المستقرة في وجدانها وتمنت لو يعود ذلك الأب إليها ولو يومًا واحدًا ليرى ما الذي حل بها بعد رحيله.
ثم عقدت مقارنة بين معاملة المرحوم ومعاملة زوجها الفظ، هي تدرك الآن بصورة لا تقبل الشك بأن الزوج لا يمكن أن يكون كالأب مهما ادعى..... ورنت كلمة "ادعى" في أذنها، تذكرتْ أيام الخطوبة المليئة بمصاديق شتى لتلك الكلمة.
تذكرت حينما جاءها أبو أحمد طالبا يدها، تفنن في الكلام والتضرع، كان الجميع رافضًا له ماجًّا مصاهرته زاهدًا في الانتساب إليه، عداها.
جاء صوت الأم يمزق الصمت: إنه يكبركِ بخمسة عشر عاما.
- ولكني..... أحبه.
- أي حب وأي بطيخ؟! هل نحن في بلاد إفرنجية؟!
- أريده..... بكل جوانحي..... أريده حتى النخاع..... حتى الثمالة.
وجاء صوت خالها يهز ذراتها: إنه مخيف، ألم تنظري إلى عينيه دائمة الحمرة؟! ربما يكون..... سكيرًا.
- أنتم تحاولون تشويه صورته كي أزدريه وأرفضه وحسب.
- أنتِ حرة، ولكن في الغد، عندما لا تجدين السعادة معه فلا تقولي أن أهلي لم ينصحوني، وإياكِ وإلقاء اللوم علينا.
- أنا واثقة منه، فهو إنسان رائع، إنه ملتزم ومتدين، وما الذي تريده الفتاة من زوجها أكثر من ذلك؟! ثم إنه..... يحبني، لقد وقف بوجه أهله لأجلي.
- أكبر منكِ.
- لا يهمني السن.
ثم أضافت: لقد وعدكم أنه سيكون أبي وأمي وأخي وكل شيء في حياتي.
- كل الرجال يقولون ذلك في البداية، وعندما تصبح زمام الأمور بأيديهم تنقلب الآية.
هي الآن تدرك حقيقة أنه لا يوجد من يحل محل الأب والأم بما لا يقبل الشك.
ابن الشهيد
18-02-2008, 12:46 AM
حملتْ نوال ذلك المفتاح المصبوغ باللون الأحمر والذي حفظتْ شكله بسبب كثرة رؤيته، فتحتْ باب حجرة التعذيب والعبرة تخنقها لتجد أمها النحيلة مسجاة على الأرض كجثة هامدة فارقتها الروح للتو..... انقضت عليها بهلع مجنون، وضعتْ ذلك الرأس الصغير على حجرها وهتفتْ مخاطبة البنيات الصغيرات الأولى تجمهرن حولها: ماء، هاتوا ماءًا.
هنيهة وإذا بكؤوس الماء تتوافد محمولة على تلك الأكف الرقيقة تتراقص لينتثر الجزء الأكبر على الأرض، فاطمة تحمل كأسًا، وبثينة تحمل آخرَ، وزينب تحمل ثالثا.
استلمت نوال أحد الكؤوس بينما وجمت الفتيات يرقبن ما سيحدث بعيون متوثبة للانفجار. رشحت نوال وجه أمها بالماء..... نضحته بتؤدة ورقة: أماه..... أماه أفيقي أرجوكِ، أرجوكِ لا تتركينا فنحن بأمس الحاجة إلى لمساتك الملائكية، أماه من لنا بعدكِ؟! أرجوكِ انهضي من غيبوبتكِ وأعيدي الحياة للمنزل، ألا ترينه بات كئيبا يقطر باللوعة والحداد؟!
جرت دموع نوال كبحر هادر أهوج لتستقر على وجنة أمها..... وعلى حرارة تلك الدموع الصادقة أفاقت الأم بالتدريج، ضمت صغارها بقلب ملؤه الرحمة والحنان وراحت عيونها تسبح في بحر من الدموع.
مدت نوال كأس الماء لفم أمها: اشربي الماء.
بدأت الأم تكرع من الماء وكأنها لم تذقه منذ ثلاثة أيام..... شربت الكأس الأول دفعة واحدة ثم أتبعته بالثاني: العطش كاد يقتلني، حسبي الله على الظالم..... بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله.
تحاملتْ على نفسها، وبمعونة نوال تمكنتْ من النهوض، توجهتْ نوال بأمها لحجرتها والبنيات من خلفها يمشين، دخلوا الصالة ليجدوا علاءَ منهمكا في لعبته بحيث لم يشعر بهم..... لم تعلق الأم على المشهد على الرغم من أنه يستثير ألف تعليق، فقد تعودت على هذا المشهد من علاء، مشهد اللامبالاة.
غادرت الصالة ودخلتْ حجرتها، تمددتْ على السرير وتمدد الصغار بجانبها، ضمتهم لصدرها الرؤوم وسرحتْ في عالم من التفكير.....
تذكرتْ والدها المرحوم ناصر، تذكرتْ تحنانه الجم وصدره الكبير، تذكرت كيف كان يباريها من نسمة الهواء، لقد كانت طفلته المدللة، لا يرضى بإيذائها، يتضايق كثيرًا حينما يسمعها تبكي، يناغيها مناغاة الأم الرحيمة بكل ودٍّ وسرور، ولا يسمح لأخوتها بأن يؤذوها، يجلسها في حجره ويلعب معها كأنه في مثل سنها..... ربما آذته بشقوتها الطفولية إلا أنه لم يكن يتضايق، وربما تبوَّلت في حجره إلا أنه لا يزجرها بل يستقبلها بتوبيخ هو أقرب للملاطفة، جرت دموعها لتلك الذكرى العزيزة المستقرة في وجدانها وتمنت لو يعود ذلك الأب إليها ولو يومًا واحدًا ليرى ما الذي حل بها بعد رحيله.
ثم عقدت مقارنة بين معاملة المرحوم ومعاملة زوجها الفظ، هي تدرك الآن بصورة لا تقبل الشك بأن الزوج لا يمكن أن يكون كالأب مهما ادعى..... ورنت كلمة "ادعى" في أذنها، تذكرتْ أيام الخطوبة المليئة بمصاديق شتى لتلك الكلمة.
تذكرت حينما جاءها أبو أحمد طالبا يدها، تفنن في الكلام والتضرع، كان الجميع رافضًا له ماجًّا مصاهرته زاهدًا في الانتساب إليه، عداها.
جاء صوت الأم يمزق الصمت: إنه يكبركِ بخمسة عشر عاما.
- ولكني..... أحبه.
- أي حب وأي بطيخ؟! هل نحن في بلاد إفرنجية؟!
- أريده..... بكل جوانحي..... أريده حتى النخاع..... حتى الثمالة.
وجاء صوت خالها يهز ذراتها: إنه مخيف، ألم تنظري إلى عينيه دائمة الحمرة؟! ربما يكون..... سكيرًا.
- أنتم تحاولون تشويه صورته كي أزدريه وأرفضه وحسب.
- أنتِ حرة، ولكن في الغد، عندما لا تجدين السعادة معه فلا تقولي أن أهلي لم ينصحوني، وإياكِ وإلقاء اللوم علينا.
- أنا واثقة منه، فهو إنسان رائع، إنه ملتزم ومتدين، وما الذي تريده الفتاة من زوجها أكثر من ذلك؟! ثم إنه..... يحبني، لقد وقف بوجه أهله لأجلي.
- أكبر منكِ.
- لا يهمني السن.
ثم أضافت: لقد وعدكم أنه سيكون أبي وأمي وأخي وكل شيء في حياتي.
- كل الرجال يقولون ذلك في البداية، وعندما تصبح زمام الأمور بأيديهم تنقلب الآية.
هي الآن تدرك حقيقة أنه لا يوجد من يحل محل الأب والأم بما لا يقبل الشك.
ابن الشهيد
21-02-2008, 12:51 PM
أشرقت الشمس معلنة عن يوم جديد..... أشرقت كما كانت تشرق منذ ملايين السنين، لم يتغير شيء بالنسبة لها، يحيا أناس ويموت آخرون وهي تشرق دومًا، تقوم حروب وتُخمد أخرى ولا يزلزل ذلك من عزيمتها، تقوم دول وتسقط دول وهي تأتي وتغيب وكأنها لا ترى ما يجري على سطح الأرض..... أشرقت ليشرق معها أمل جديد، وأشرقت الحياة مع إشراقها، ذهب الناس إلى أعمالهم وانشغلوا بشؤونهم الخاصة، وكذلك فعل علي الذي خرج يحدوه الأمل والحلم بمستقبل ناصع الصفحة، خرج لاهثا وراء ما يعيله، ينقب عن رزقه بين الصخور، يطرق بابا كلما سُد باب، يلقي ملفا عند كل زقاق وشارع، يدخل شركة ويخرج من أخرى..... ولكن دون جدوى، لم يوفق في الحصول على وظيفة، إلا أن ذلك لم يفت من عزيمته ولم يأخذ من همته، لم يصبه ذلك باليأس والقنوط بل كان دائمًا يبتسم للحياة..... للناس، فهو قدير على كبت معاناته الشخصية في خضم معاناة الناس. لم يحزن لعدم تمكنه من الحصول على وظيفة فهو يدرك بيقين راسخ لا تزلزله النوازل أن الرزق مكتوب له بحكمة الله البالغة فهو الذي يقسمه بعدله وفضله وهو الذي يقدر المصالح والمنافع..... رزقه ورزق كل مخلوق ابتداءًا بالفيل وانتهاء بالنملة مكتوب في عالم الغيب سيأتي صاحبه حتما، لن يموت جوعا لن يبات عريانا سوف يرزقه الله لا محالة فقد أخذ على نفسه ذلك وتكفل بمسألة الرزق، وكل ما يتوجب عليه هو أن يسعى في طلبه غير متكاسل أو متقاعس..... يسعى بكل قوة وعزيمة، وها هو يسعى فعلا، فقد أنهى دراسته الجامعية وطفق يبحث عن معاشه.
لا يتذمر من الفقر على الرغم من أنه يحوطه من كل حدب وصوب، فقد تصرمت أيام طفولته مرتميًا في أحضانه وعاش أيام شبابه وربيع حياته مكابدًا ويلاته إلا أن ذلك لم يؤثر فيه، بل كان دافعا قويا له على الصمود وعلى النضوج وعلى مواجهة الحياة، فبدأت رجولته تتبلور قبل إبان موعدها الطبيعي، تحمل المسئولية قبل أن يتم العشرين، ولم يزلزل الفقر إيمانه بنفسه وقدراته الإبداعية، فراح يستنطق وجدانه الحي، يبحث عن ذاته، يستجلي بواطنه وكوامنه، يهذب نوازعه ويسيطر على تجاذباته ويأنق ضميره ليظهر بالحلة التي ترضيه.
عاد إلى المنزل مثقلا بالهموم إلا أنه كان يبتسم، وقف عند عتبة الباب ثم نزع رداء همومه اليومية وارتدى جلباب المرح والبشر، ابتسم لأمه..... حيَّاها وأدخل في نفسها السرور بقلب مفعم بالعرفان والولاء، ثم صعد إلى حجرته الصغيرة، تأمل أثاثه المتواضع، كله تقريبا من الآخرين، منضدة أعطته إياها شقيقته الكبرى أم أنور، وتلفاز أراد نسيبه أبو أنور رميه فأخذه منه وأصلحه ثم جعله من مقتنياته، سجادة بالية بها آثار بعض الحرائق التي سببها السيجار، وجهاز كومبيوتر قديم اشتراه عندما كان في بداية مرحلته الجامعية..... إنه الشيء الوحيد الذي لم يتصدق به عليه أحد.
أراد إشعال سيجارة، إلا أنه انكفأ عن عزمه بعد أن تذكر نيته المنعقدة على ترك التدخين ولو بصورة تدريجية، إنه الآن يشرب ثلاث سجائر يوميًا فقط وإن شرب هذه السيجارة سيكون قد دخن أربع سجائر في هذا اليوم لذلك رفضها متمسكا ببرنامج دقيق للإقلاع عن التدخين.
نظر إلى نفسه من خلال مرآة كبيرة كانت معلقة بدولاب ملابسه، تأمل تقاطيع جسده الصغير، وجه أسمر وسيم ومدور بعينين سوداوين متقدتين يتسرب منهما إصرار لا يمكن حصره، أنف منسق جذاب وحواجب كثيفة ومتصلة ببعضها وأذنين متوسطتين في حجمهما.
تأمل الشيب في شعره، شيب الشباب كما يسميه الآخرون وشيب الهموم كما يسميه هو.
وفي غمرة تفكيره تذكر الاتصال الذي أهمله ليلة البارحة بل الاتصالات..... نظر في جواله بعد أن أهمله منذ الليل..... خمس مكالمات لم يرد عليها جميعها من أم أحمد..... لا يزال الجوال بوضعية "صامت"، فكر مليًّا هل يتصل بها؟! إنه يعرف كل شيء، يعرف أنها إنما تشاجرت مع زوجها كما يحدث دوما وأرادت مَن تبثه لواعجها ومآسيها.
وبعد عناء طويل قرر أن يتصل بها.
جاء صوتها وكأنه من عالم الأموات: الو.....
وبعد السلام والمجاملات هدرت أم أحمد كطوفان انعتق بعد حبسه في سد: أين أنت عني يا أخي؟! فقد كدتُ أموت ليلة البارحة..... لقد ضربني أبشع ما يكون الضرب وحبسني حتى منتصف الليل.
وأردفت من بين دموعها ونشيجها: لقد تزوج عليَّ يا علي..... تناسى عشرين سنة من الخدمة..... لقد كنت لديه كجارية أكنس وأغسل وأطبخ وأداري مزاجه بكل ما أملك من طاقة، وفي الختام يكافئني بضرة!
احتار علي ماذا يقول؟! بم يجيب؟! ما الذي بيده ليصنعه؟! فهو يعرف جيدًا همجية ذلك المخلوق، يعلم أنه ليس أهلا للحوار والنقاش الموضوعي..... تذكر قبل سنة حينما اتصل به هاتفيا بعد زوبعة، لم يقل غير سؤال واحد، سؤال يتكون من خمس كلمات: لم ضربت أختي؟!
بعد ذلك السؤال لم يقل علي شيئا إذ لم تُتح له الفرصة، بل لم يُتِح له ذلك المستأسد أي مجال للحديث، التهمه بلسانه السليط: لا تتدخل فيما لا يعنيك يا حيوان، هي زوجتي وأصنع بها ما أريد، هذا ما كان ينقصني طفل في عمر أبنائي يرشدني.....
- ولكن.....
- اخرس وإياك والتدخل، اتقِ شري فلستَ ندًّا لي ولستَ أهلا لمقارعتي.
- اسمعني رجـ.....
أغلق السماعة بوجهه.
دار كل ذلك في خاطره في ثانية بينما استمرت أم أحمد في التظلم والتشكي: ضرب أبناءه جميعا ابتداءًا بالكبير الجامعي وانتهاءًا بالصغار.
- اصبري يا أختي.....
- لقد صبرتُ بما فيه الكفاية.
- اصبري أيضا..... تذكري صبر الأنبياء والصديقين.
- لقد اكتفيتُ من الإهانات الموجهة إليَّ..... أريد الطلاق.
تكرر رجع تلك الكلمة في سمع علي "طلاق"..... يدرك أنها لا تريد فعلا الطلاق..... أو فلنقل تريد الطلاق ولكن أبناؤها يشكلون عقبة كؤود في سبيل ذلك لا يمكن إزالتها بسهولة ولا يمكن التغاضي عنها، لم يولِ رغبتها بالطلاق أهمية تذكر فهو يدرك أنها سوف تتراجع في نهاية الأمر، لن تتمكن من الاستغناء عن أبنائها..... لطالما غادرت منزلها متوجهة لمنزل والدتها وقد عقدت العزم على الانفصال إلا أنها تتراجع في النهاية وتعود إلى منزل زوجها مرغمة ذليلة مكسورة الجناح الأمر الذي جعل زوجها يزداد عنجهية وعتوا وطغيانا، علم أنه لا أحد لها غير الله فاستهان بالله..... علم أنه لا أب لها ولا عضد ولا مال فشمر عن أنيابه كذئب يتربص بفريسة ضعيفة لا حول لها ولا قوة.
***
بومحمد
21-02-2008, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ياصوت الهواء ترى من ينقل همساتك كي ترقى و تسمو بها لهذا الزينبي الذي يناطح اكف السحاب ليعلو بالكتاب و هو شعلة اضاءت دياجي الهواة فيا ابن الشهيد نحن دوما لك متابعون و لن ننسى هعد الاخوة و الرباط ، اعذر كلماتي البسيطة لخروجها عن البلاغة و لاكن هذه كلمات نابعة من القلب ، يعجز اللسان كما تعجز الانامل في شكرك و مديحك و لاكن عسى القلب يدر عليك ببعض من الاحاسيس و المشاعر الفياضة ، فيا ريحانة يازينب و عطر رحيقها نحن كما ترى نتلذذ برائحة العطر الموالي و سلام من الله عليكم
ودمت موفق ^^^
ابن الشهيد
23-02-2008, 12:11 AM
بو محمد
أهلا وسهلا بكم من جديد
ما شاء الله عليك صاير شاعر
ابن الشهيد
24-02-2008, 12:25 AM
تسرب عطر فواح يزكم الأنوف، وبعد ثوان بدأ صرير الباب يُسمع بوضوح، شيئا فشيئا تبدت ملامح أبي أحمد القاسية، حالة من الوجوم خيمتْ على الجميع، بينما ألقى أبو أحمد ببصره الشارد نحوهم، تفحصهم واحدا واحدا، ودون مقدمات خاطب أم أحمد المنطوية على نفسها: البسي عباءتك كي أصطحبكِ للمستشفى.
يا لهذه الرحمة الكبيرة! يقتل القتيل ويمشي في جنازته!
بعد دقيقة كانت أم أحمد وزوجها في طريقهما للمستشفى، وبعد صمت طويل قال الزوج في محاولة لمداراة جريمته النكراء: إذا سألوكِ عن سبب تلك الآثار فقولي أنكِ وقعتِ من الدرج.
تلفعتْ الزوجة بالصمت وقد عقدتْ العزم على أن تخبر الطبيب بكل شيء..... ستقول له أنها تتعرض للضرب باستمرار من زوجها، وأن هذه الكدمات لا تعدو أن تكون مخلفات حرب طاحنة دارت في الآونة الأخيرة بينها وبين ذلك المارد..... حرب من طرف واحد..... ستطالبه بكتابة تقرير بالحادثة وستطالبه بأن يأخذ من الزوج تعهدًا بعدم المساس بها.
لم تكُ تعلم أنه لا علاقة للطبيب بالتعهدات فقد كانت كغريق يتعلق بقشة أملا في الخلاص والنجاة.
دخلا على الطبيب وقد كان أنثى..... كشفتْ على جسد أم أحمد المثخن بالجراح والكدمات..... لوحة من لوحات "بيكاتشو" رُسِمت على ظهرها ومختلف أجزاء جسدها بمختلف الألوان.
سألت الطبيبة: ما سبب هذه الكدمات يا سكينة؟!
أرادت أم أحمد أن تجيب ولكن صوت زوجها الأجش قطع عليها ذلك حينما هز الغرفة: لقد سقطتْ من الدرج.
تذكرت أم أحمد كيف كان زوجها يأنب أبناءه على الكذب، وكيف كان يزدري ويحتقر هذه الصفة القبيحة وأصحابها..... ها هو اليوم يكذب بكل صلافة وجرأة..... أين ورعه وتقواه المدعَى؟! كل ذلك تلاشى وتبخر، كل ذلك لم يكن سوى سراب خادع.
قطع صوت الطبيبة عليها تفكيرها: هل ذلك صحيح يا سُكينة؟!
ودون أن تُمهل نفسها لحظة تفكير أجابت أم أحمد: بلى، ذلك صحيح.
أين إصرارها المزمع على قول كل شيء وإلقاء رداء الحقيقة على وجه الطبيب؟! كل ذلك ذهب مع الريح، ولم يعدُ أن يكون كلامًا لا واقع له.
لا تعرف لم تخلت عن عزمها؟! لم جَبُنت وتقهقرت؟! لم لفظ لسانها بما لا تريد؟! أهو الخوف؟! بلى..... إنه الخوف.
إني خائفة منه، فهو مارد لا يعرف الله وإن ادعى الدين..... يعرفه ولكن بالاسم فقط، يعرفه ولكن بما يتماشى مع مصالحه وذوقه أما في غير ذلك فلا يعرفه.
الصلاة، الصيام، الدعاء..... كل ذلك يتوائم مع أهوائه ونزعاته أو على الأقل لا يتعارض وإياها.
الصدق إن جاء بما تمليه عليه نفسه فهو رأس كل فضيلة وإن لم يتوافق فلا بأس بالكذب، كذلك السب والافتراء والشتم والضرب.....
نعم الضرب..... فقد أباح الإسلام للرجل أن يضرب زوجته..... كان دائمًا يقول لها ذلك دون أن تكون لديها الإجابة على تلك الشبهة، على الرغم من أنها تدرك أن الإسلام أبعد ما يكون عن هذه القسوة ولكنها تجهل الرد.
حاولتْ أن تقرأ حول الموضوع فأدركتْ أنه غير صادق في نقل مفاهيم الإسلام وأحكامه..... ينقل فقط القدر الذي يتماشى معه ويبرر أفعاله ويبتر الباقي..... ينقل "لا تقربوا الصلاة" ويبتر "وأنتم سكارى".
"الإسلام أباح ضرب الزوج لزوجته" هذا كل ما كانت تسمعه في كل مرة تتعرض فيها للضرب أما التتمة وهي "في حالة نشوز المرأة، ويكون الضرب غير مبرح، بل قيل بالمسواك" فلا ينطق بها أبدا..... هل يجهلها؟! أجزم بأنه لا يجهلها ولكنه الخبث يسيطر على أفعاله.
نظرتْ الطبيبة إلى عيني أم أحمد نظرات ريبة وتشكيك وتكذيب، ثم سألتها: هل أنتِ واثقة من أنكِ وقعتِ من الدرج؟!
لا جواب.
أضافت الطبيبة: أليست هذه آثار..... ضرب؟!
ولا كلمة.
حررتْ الدكتورة بعض الفيتامينات المقوية والمراهم وبعض الأدوية الأخرى ثم ودعتها وهي على يقين من أن أم أحمد لم تقع من الدرج كما زعمت وزوجها، ولكنها تدرك أنه لا يمكنها مساعدة هذه المرأة طالما أنها لا تريد مساعدة نفسها.
عادت إلى المنزل مثقلة..... كرهت نفسها بسبب ضعفها.
ليتني لم أخلق أنثى..... ولم أتزوج ولم أنجب..... بل ليتني لم أخلق من الأساس..... أو ليتني مت في المهد رضيعة.
جلستْ أم أحمد على الكنبة ثم تبعها زوجها، وبعد هنيهة سأل بصوت هامس: هل أصبحتِ بخير؟
أجابت بوجه متجهم: وهل يهمك ذلك؟!
- بالطبع.
- إذا لماذا فعلتَ ذلك بي؟!
- كنت في حالة غضب..... ثم أن الإسلام.....
وتقاطعه: ..... يعطيك الحق في ضرب زوجتك. لقد حفظت ذلك عن ظهر قلب.
ثم أتبعت بغضب كبير: لستُ بامرأة ناشز حتى أضرب.
كان دومًا يعيِّرها بجهلها ويحثها على القراءة لكنه الآن بدأ يندم..... فمن الأفضل له أن تبقى زوجته جاهلة وإلا قارعته بحجة دامغة لا يمكنه الرد عليها، فعلا العلم نور والجهل ظلام، إنه الآن يخاف من النور لأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تبديد ظلامه.
- أعدكِ بأنني لن أقوم بضربكِ مرة أخرى.
الوعد نفسه يتكرر في كل مرة حتى باتت لا تأبه به ولا تصدقه.
- أنت تكذب أعرف ذلك جيدا.
والتفتت قائلة: ثم لم تزوجت عليَّ؟! هل قصرتُ في حقك؟! ألم أكن لديك كخادمة تطبخ وتغسل وتنظف وتقوم بكي الملابس وتفعل كل شيء وكنت تعاملها كآلة مبرمجة على العمل بحيث لا تُعطى مجالا للراحة؟!
- الشرع أحل لي الزواج حتى الأربع.
- على كل حال، لا يهمني أمرك..... فلم أعد أحبك، تزوج القدر الذي تشاء من النسوة، ولكن توقف عن ظلمي..... ولتعدل بيننا.
لم يكن ذلك شعورها الفعلي، فقد كانت تحترق من الداخل كلما تذكرت مسألة زواجه، إلا أنها تحاول الاحتفاظ بالقدر المتبقي من كرامتها المهراقة.
جاء صوته متلبسا بلبوس الرومانسية: أحقا تقولين؟! هل تبدد حبكِ لي؟!
باتت تمقت ذلك الصوت سيما إن تحدث عن الحب.
أجابت مؤكدة: قطعا.
- لا شك أنكِ تقولين ذلك من وراء قلبك.
لم تنبس ببنت شفه إذ ما ذكره هو الحقيقة بعينها، الحقيقة المرة..... وهي الآن تؤمن بمقولة "الحب أعمى".
أضاف: عليكِ أن تتمتعي بقدر أكبر من التسامح.
انظروا من يتحدث عن التسامح؟! لم تجب، حينها أدخل يده في جيبه وأخرج علبة صغيرة وقال: ما رأيكِ في هذا الخاتم.
ألقت نظرة عابرة عليه، لقد أعجبها فعلا، فهو خاتم رائع ويبدو باهض الثمن إلا أنها قالت مخفية رأيها الحقيقي: إنه خاتم عادي.
وأردفت باستهزاء: تضربني وتراضيني بخاتم!
إلا أن صوته بدد كل آمالها حينما قال: هذا الخاتم ليس لكِ، إنه لزوجتي الجديدة إنما طلبت رأيكِ فيه.
لهب غزا أحشاءها..... يا للصلافة والحقارة! ألا يمتلك هذا الحقير أية إنسانية؟! أبشر هو أم جماد؟!
هدرت دون شعور وتكلم الغضب على لسانها: لم أتيت؟! لم لم تبقَ عند زوجتك الجديدة؟!
أجاب بكل برود: ولكنه يومكِ.
- وأنا أرخصك بالذهاب إليها.
- ما بكِ لم كل هذا الغضب؟!
- وبعد بكاء مرير قالت بوجه محمر: اخرج من الحجرة لا أريد رؤية وجهك.
حينها بدأ مقياس الغضب يرتفع لديه، فزمجر وقد هم بضربها: وتقولين أنكِ لست بناشز؟!
ثم أتبع وقد أهوى بقبضته الحديدية على وجهها: يبدو أن ضرب البارحة لم يكن وجبة دسمة بحيث يشبعك.
ثم خرج من الحجرة ومن المنزل بينما اجتاحت نوبة ألم جسد أم أحمد وروحها.
***
ابن الشهيد
29-02-2008, 08:17 PM
تمر الأيام بطيئة رتيبة دون أية أحداث، وفي أحد الأيام اتصلت إحدى الشركات بعلي وطلبت منه إحضار أوراقه الرسمية..... فعل ذلك وبعد أسبوع طلبتْ منه مباشرة الدوام فلبى بالسمع والطاعة، ثم سأل عن المرتب فقالوا له بأنه ألفان وخمسمائة ريال، سأل عن عدد ساعات العمل فقالوا بأنها ثمان ساعات في اليوم بنظام الشفتات، لم يجد غير القبول فباشر العمل ككاشير في إحدى المجمعات الضخمة وذلك بعد أن أنهى دورة تدريبية على الكاشير مدتها أسبوع.
نظر إلى زملائه في العمل فضحك على هذه الدنيا ضحكة الألم، إذ ها هو ذا الرجل الجامعي المثقف الذي أمضى زهرة شبابه في الدراسة والتحصيل العلمي يعمل في النهاية مع حاملي الكفاءة والثانوية نفس العمل ويستلم نفس المرتب بلا فرق!
أي ظلم هذا؟!
ولكن ما الذي يقوله ذو اللبانة؟!
إلا أن ما هوَّن الأمر هو النظرة المستقبلية للأمور إذ لا شك أنه سيتمكن من الحصول على وظيفة أفضل لن يحصل عليها صاحب الكفاءة وصاحب الثانوية. وفي لحظة خطر بباله خاطر جميل، فبعد أن استلم الوظيفة صار بإمكانه الزواج من ابنة خاله، أو فلنقل صار بإمكانه عقد قرانه وإياها، أما الزواج فمسألة أخرى تتطلب المزيد من الصبر وجمع المال.
نعم ابنة خاله التي طالما تمناها..... طالما فكر في الارتباط بها، إلا أن قلة ذات اليد كانت الحائل دوما بينه وبينها..... لعن الله الفقر والحاجة.
وفي الصالة طلب من أمه خطبتها له، فقالت بكثير من الاستهزاء الذي لم تحاول إخفاءه: لم تستلم العمل إلا منذ أيام وتفكر في الزواج! استلم أول رواتبك على الأقل ثم تكلم.
- لا بأس إن تكلمت من الآن.
- ومن أين ستجلب المهر؟!
المهر إنها المعضلة الكبرى حاليًا، قال بعد تفكير: سنعطيهم ما نتمكن من تدبيره والباقي بعد حصولي على سلفة الزواج.
ودون مبالاة قالت الأم: يصير خير.
إلا أنه ألح عليها بقوله: متى ستذهبين؟!
ليجد الرد المحبط: أسبوع ما فيه جمعة.
- أماه إني جاد وأنت تسخرين مني!
وعندما وجدت الأم أن استهزاءها لم يرق له قالت: الأسبوع المقبل.
حينها أحس بنوع من الراحة، أخرج سيجارة وراح يتنفسها بكل لذة.
***
بخطًى وئيدة يسير في وسط الظلام الحالك، ويحرص كل الحرص على أن يسير بأطراف أصابعه لئلا يحدث أدنى ضجة قد تثير النيام فيؤدي ذلك إلى افتضاح أمره وبالتالي يتعرض لمطاردة مميتة قد تكلفه حياته، تسلل إلى غرفة مفتوحة الباب بكل هدوء ولمَّا تأكد من أن الرجل في رقاد لا صحوة منه مع زوجته الجميلة غادر الغرفة بذات الهدوء متوجهًا نحو المطبخ عله يجد مراده، تقدم حتى انكشفتْ له فتحة صغيرة تحت باب المطبخ إلا أنه تمكن من المرور منها بكل يسر، ثم ألقى نظرة فاحصة لكل شيء في المطبخ وبعد أن تأكد من أن مراده موجود بصورة وفيرة هتف بصوت أشبه بالهمس قائلاً: بِس.... هيا بنا يا شباب فالمكان آمن.
حينها تقدم اثنان أحدهما مقارب لضخامة الأول إلا أن البلادة كانت بادية على عينيه فقد كان أحولاً، بينما بدا الثاني يافعا في مقتبل العمر تقدما بنفس الهدوء وهمس الصغير: لا أعلم لم ورطتُ نفسي معكما؟!
قال الرئيس: لا تكن جبانا يا أخي فالمكان آمن.
- ألسنا نقوم بشيء ضد القانون؟!
قال الأبله: أي قانون هذا؟!
وقال الزعيم: أنا القانون هنا يا صغير.
ثم أضاف: أليس من حقنا أن نعيش؟!
قال الصغير: بلى ولكن ألا يمكننا العيش من دون أن نسطو على المنازل؟!
- بالطبع لا يمكننا ذلك فالسماء لا تمطر طعامًا، إنما الطعام في المنازل، المنازل وحسب.
وقال الأبله: كما أننا لسنا قططًا متشردة حتى نأكل من القمامة، إننا أشخاص محترمة لنا كرامة.
قال الصغير بكثير شك: هل لنا كرامة؟!
أجاب الأبله الأحول: إلى حد ما.
وبينما هم منشغلون بالثرثرة، وإذا بالإنارة تكشفهم متلبسين بفعلتهم النكراء، لحظة صمت اجتاحت المكان نظروا فيها إلى الأعلى ليجدوا أن الزوجة تحدق بهم، ودون شعور منها صرخت المرأة صرخة مدوية صاخبة: آآآآآآآآه النجدة.
وصعدتْ على أقرب كرسي رأته بينما ذعر الثلاثة وحاروا ما يصنعون؟! وصاروا في "حيص بيص"، وفي محاولة أولى للفرار ارتطم الرئيس بالأبله إذ أن الأبله الأحول كان يحاول الهروب في الاتجاه الخاطئ، ونهض الزوج على إثر الصرخة وأسرع إلى المطبخ هاتفا: ما الأمر؟!
بينما حاولوا مجدَّدًا الفرار فتمكن الرئيس والصغير من الفرار بينما بقي الأبله الأحول يدور في حلقة مفرغة باحثا عن الباب، أما عن الزوج فهتف حاملاً أقرب "مخمة": لا تخافي يا حبيبتي سأقضي على الحقراء....
وفي خارج المنزل كان الرئيس والصغير في انتظار الأحول المعتوه بعد أن نجحا في الفرار، قال الصغير: هل تظنه سينجو؟!
- أستبعد ذلك، إلا أني أرجو أن يتمكن من الفرار.
- أدعو الله ألا يتورط.
ثم أضاف الصغير: أنت السبب في ذلك.
وبينما هما يتحدثان وإذا بالأحول قد أقبل خائر القوى مترنحًا ذات اليمين وذات الشمال، هتف الصغير: هل أنت بخير؟!
- أي خير هذا؟! لقد أعمل فيَّ عصا "المخمة" حتى كدتُ أهلك، ولكني أعدكم أنني سأعود إلى ذلك المنزل اللعين وأخرِّب كل شيء تصل إليه أسناني.
قال الزعيم: على كل حال الحمد لله على السلامة.
ثم أضاف: إني أعرف منزلا قريبا من هذا المنزل أضمن ألا أحد فيه، فما رأيكما بمحاولة أخرى.
قال المعتوه بعد أن أمسك بتلابيب الريِّس: وحق ذيلي الذي كاد يُقطع الليلة إنني منك لبراء، أنت تمضي لبالوعتك وأنا سأمضي لسنداسي فهذا فراق بيننا.
وبعدها افترقوا ولم يلتقِ أحدهم بالأخر مطلقا.
ملاحظة: هؤلاء الثلاثة ليسوا سوى جرذان.
قال رائد بعد أن أنهى قراءة القصة وأطلق ضحكة صاخبة: لقد صدقتك في البداية حينما قلت أنها قصة متواضعة.
سأل علي: هل أعجبتك؟!
- إنها رائعة.
- كانت هواية عابرة وحسب، كتبت هذه القصة منذ أكثر من سنتين وهي آخر ما كتبت وتوقفت بعدها عن الكتابة.
- حرام عليك، إنك مبدع في كتابة القصة.
- شكرًا على الإطراء.
- أريد قراءة المزيد من قصصك.
- سأجلب لك بعض القصص الأخرى غدا.
وقال رائد في محاولة لإبداء المزيد من الإعجاب: لم أتصور أنه بمقدور علي التراجيدي أن يكتب قصصا طريفة بل كوميدية.
- يُخرج الحي من الميت ويُخرج الميت من الحي.
***
يتسكع بسيارة والده، السيارة التي في يده أغلب الوقت..... أعني الوقت الذي لا يكون أبوه ضاربا أمه.
يجوب الطرقات برفقة ذلك الصديق الجديد، الصديق الذي تعرف عليه في الجامعة حينما كان حزينا منطويًا على نفسه..... اقتحم خلوته بجرأة لا نظير لها، قدَّم له كوب شاي ثم أردف وعلامة انبهار ارتسمتْ على محيا أحمد: أراك حزينا!
وأردف بعد أن قرأ أمارات الاستنكار في عيني أحمد: أنا زميلك في العديد من المواد.
مد إليه يده وأضاف: أخوك عباس موسى.
فأجاب أحمد بعد أن أسلم له يده المتصلبة: أحمد الكاظم.
- تشرفنا.
- لنا الشرف.
- أخبرني، ما لك مهموم هكذا؟!
وبعد أن لم يجد ردا أردف: الدنيا لا تستأهل منك كل هذا الحزن، فضفض وإلا انفجرت.
- مجرد مشاكل عائلية.
- لا أريد أن أدفعك لكشف أسرار عائلتك ولكن حينما تود الحديث إلى أحد ما فسوف تجدني أذنا صاغية، لا تخجل في الكلام إن رغبت فستجدني مستمعا من الطراز الأول..... في أي وقت، ومن يدري ربما تمكنتُ حينها من تقديم يد المساعدة لك.
- شكرا لك يا.....
- يبدو أنك ممن ينسون الأسماء بسرعة يا أحمد.
والتفت قائلا: عباس..... عباس موسى، لا تنسَ هذا الاسم.
- اعذرني يا أخ عباس لأني لم أحفظ اسمك فذهني مشتت للغاية.
- لا عليك، ولكن تذكر أن حفظ الأسماء من المرة الأولى فن لا يقدر عليه كل أحد.
- سوف أتذكر ذلك.
تطورت العلاقة بمرور الزمن حتى بدآ بالخروج والتنزه مع بعضهما البعض، وبدأ أحمد ينفتح على عباس بصورة سريعة وغير متوقعة، إذ وجد لديه الاحتضان والمواساة والاهتمام والرعاية التي افتقدها في المنزل.
كان عباس ضليعا في فنون التعامل وكسب الأصدقاء، فسخَّر مواهبه تلك بطريقة تخدم أهدافه.
حكى أحمد تفاصيل أسراره العائلية لعباس عن نفس راضية راجيًا أن يجد لديه السلوة والترويح عن النفس.
بدأ عباس يظهر تعاطفه الكبير مع أحمد ويحاول التهوين عليه وتسليته..... إلا أنه أبطن مراده الحقيقي بين طيات لسانه المعسول.
وفي إحدى المرات عرض عليه عرضا مغريا حينما قال: لقد وجدتُ الحل الناجع لجميع مشاكلك، الحل الذي سينسيك كل همومك وآلامك يا أحمد.
- أرجوك عاجلني به يا عباس.
- حينها قال له عباس: لقد سألتُ كثيرًا عن وضعك وحالتك حتى أني زرت العديد من الأطباء العضويين منهم والنفسيين وتكلمت معهم عن مشكلتك النفسية وما لازمها من مشاكل جسدية فقدموا لي النصح والتوجيه.
- وما الذي قالوه لك بالضبط؟!
- لقد وصفوا لي حبوبا ما..... قالوا إنه دواؤك الشافي، فلم أتردد لحظة في شرائه لأجلك على الرغم من ثمنه الباهض.
وأضاف بعد أن أخرج حبة تشبه حبة الصداع: إنها الدواء المثالي لحالتك.
استلم أحمد الحبة، ولثقته العمياء بعباس ازدردها دون أن يشك في أمرها..... فمن المعيب الشك بالإنسان الوحيد الذي اهتم بأمره وسعى لأجله دافعًا كل ذلك المال من جيبه.
ما هي إلا دقائق وإذا بأحمد قد غادر هذا العالم متوجها إلى عالم النشوة والخيال.
***
Powered by vBulletin® Version 4.1.8 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir