ابن الشهيد
22-12-2004, 08:08 PM
شيخ الخَرِبَة
بخطىً ثابتة يسير نحو تلك الخربة المغبرة، عظم المصيبة لم يأخذ من ثباته ووقاره أي مأخذ ولم يغير من مشيته الوئيدة شيئا، الدموع لما تجف بعد، والفؤاد المكلوم لما يبرأ بعد ولما يجف الدم من سويدائه، صورة والده القتيل لا تزال ماثلة أمام عينيه والدم يتفجر عبيطاً من هامته، طار طائر خياله إلى تلك الأيام الخوالي، الأيام التي قضاه بكنف والده، والده الذي يفخر بأبوته كل ابن ، يتذكر عطفه وحنانه على أبناء غيره فضلاً عن أبناءه، يتذكر كيف كان يمسح على رأس اليتامى بكفه الرحيمة وكيف كان يمتص يتمهم كما تمتص الأم يتم ولدها، يتذكر كيف كان يطعمهم الفاخر من الطعام بيده الحانية ويقنع هو بكسرة خبز يابسة يستعين بركبته على كسرها، يتذكر كيف كانت رأفته بالأرامل الأولى فقدن أزواجهن، كيف كان يواسيهن ويمسح عنهن دمع الفراق، وكيف كانت رأفته بالشيوخ والعجائز، يحادثهم ساعة حديث الابن إلى أبيه وأمه فيفرج عنهم ويمتص آلامهم فإذا أيقن أن السرور دخل عليهم ودعهم بقلبه الكبير الذي حمل تلك الهموم الجسام التي لا يسطيع حملها قلب بشر، يتذكر كيف كان يلاطف الصغار ملاطفة الأب المهيب الذي لا يدع اللعب معهم، ولا يسقط وقاره بملاعبتهم، يتذكر كيف كان يسقي أسيره -الذي تسبب في قتله- مما يشرب لا يزيد عليه شيئا.
وعندما يتذكر كل ذلك يزفر زفرة كأن زفرات جميع المقهورين قد اجتمعت فيها، وكأنه بتلك الزفرة يبدي استعداده أن يقدم حياته كلها في سبيل لحظة يلتقي فيها ذلك الوالد الحاني، ولولا الأجل لما يحل بعد، ولولا علمه بمجاورة هذا الوالد بعد موته مجاورة لا فراق فيها لفاضت روحه ولما بقت في أرض تخلو من ذلك الحنان المتجسد لحظة واحدة.
ما يزال راحل الفكر إلى تلك الأيام يستنطق الذكريات الجميلة حتى قطع عليه رحيله صوت أنين خافت قادم من تلك الخربة المهجورة.
وسيرا على نهج والده وخطاه ترك الذكريات وتوجه نحو مصدر الصوت عله يجد من يحتاج إلى مساعدة فيساعده فيكون بذلك أحيا والده عملياً.
نظر نحو مصدر الصوت وكأنه يرى رجلاً ملقىً على التراب وقد أنهكه الضعف وأبلاه السقم، اقترب منه حتى صار أمامه فسلم عليه ورد المسن سلامه -وكان أعمى- من بين تأوهاته، ثم أردف: أينك بنياه تركتني ثلاثاً؟! فقال الرجل: هل تعرفني يا شيخ؟ فقال الشيخ المسن بعد لحظة صمت: لقد ظننتك ذلك الرجل للوهلة الأولى. فقال الرجل: وأي رجل تعني؟ فقال: رجل كريم كان يتفقدني كل يوم منذ نزلت هذه الخربة، يجلب لي الطعام ويسامرني سمر الابن البار فيدخل علي البشر والسرور ثم يمضي لسبيله، وعندما سمعت وقع قدميك خلته جاءني بعد غياب، وعندما سمعت صوتك زال شكي فصوتك صوته وأنفاسك أنفاسه إلا أنك لست هو. فقال الرجل: هلا وصفته لي أيها الشيخ؟ فقال: بلى، لقد كان رجلاً رزيناً وقورا، له نور يراه الأعمى أجلى من نور القمر وأسطع من نور الشمس، على كلامه حلاوة وكأنه يتكلم بالقرآن، كلامه صمت وصمته كلام، إذا تكلم في قضية يخاله السامع قد أفنى حياته في دراستها فلا يبصر غيرها فإن عاشره أدرك أنها مفردة من مفرداته وواحدة من إفاداته التي يكون في جميعها متقن، نَفَسَه تلميح، وكلامه لُقَاحٌ بين القول والتسبيح، إن تكلم وجمت لكلماته الطيور واجتمع أليفها مع وحشيها في صف واحد تخالهم أخوة وأحبة، لا الأليف هارب من الوحشي ولا الوحشي لاحق الأليف، إنما كل منهما مشغول عن صاحبه بتذوق حلاوة كلامه الذي تفهمه الجمادات وتتأثر به، حتى كأني أسمع الجدران تتغني بحديثه تغني الفراشة بالزهرة.
إن تحدث لا تسطيع مقاطعته أو سؤاله، وإن سكت لن تمل مجلسه. شخصيته قوية، وروحه فتية، ونفسه زكية، وسمته علوية. يداه ندية، وبالعطاء سخية، لا يخشى الفقر، ولا يغريه الغنى، ينفق كأن مال الدنيا ماله، ويأكل كأن ديون الدنيا عليه، يخاطب الدنيا كل يوم ويطلب منها أن تغر غيره وتجذبه إلى زبرجها وزخرفها، قد طلقها ثلاثاً وأسلمها إلى غيره، اكتفى منها بإزار يستر عورته، ولقمة تسد رمقه، وشربة تطفئ أواره، ونَفَسٍ يُبْقِي على نَفْسِه.
يمر وقته في الفضيلة، فيجعل بين فضيلته وفضيلته فضيلة، أنساه ذاته حبُ الناس، وأشغله عن نفسه شغلهم، نهاره وجزء من الليل مصروفٌ لهم، وجزؤه الآخر مصروف لراحته وخلوته بحبيبه، أظنه يناجيه حتى الشروق، يحادثه تارة ويسمع منه منصتاً تارة أخرى فإن بشره برضاه ومحبته سُري عنه وانكشف همه أعظم انكشاف، وإن عرفه بما أعده من عقابٍ لمخالفيه ومبغضيه شهق شهقة يخاله من يراه كأنه منهم وما هو منهم. شهقة لولا تقدير الأجل لم تبقِ عليه. ويستمر ليله بين صلاة وتفكر.
حينها أمسك الشيخ، فقال الرجل ودموعه بحر على وجنتيه: ما حاجتك يا شيخ فإني نائبه ووصيه؟ فقال الشيخ: أوهل تعرفه يا بني؟ فقال الرجل : أي والله. فقال الشيخ: أنبئني بخبره يا والدي. فقال الرجل بعد تؤدة: إني ابنه، وقد ... وقد ... فرغت توي من دفنه. حينها اسقط بيد الشيخ وبعد هنيهة قال: أتعني أنه .... فارق الحياة؟ فقال الرجل: بلى. فقال الشيخ: وا ولداه! من للشيخ بعدك ولدي؟! أوهل تطيب الحياة من بعدك؟! لا والله لا تطيب.
ابن الشهيد
3 / 11 / 1425هـ
بخطىً ثابتة يسير نحو تلك الخربة المغبرة، عظم المصيبة لم يأخذ من ثباته ووقاره أي مأخذ ولم يغير من مشيته الوئيدة شيئا، الدموع لما تجف بعد، والفؤاد المكلوم لما يبرأ بعد ولما يجف الدم من سويدائه، صورة والده القتيل لا تزال ماثلة أمام عينيه والدم يتفجر عبيطاً من هامته، طار طائر خياله إلى تلك الأيام الخوالي، الأيام التي قضاه بكنف والده، والده الذي يفخر بأبوته كل ابن ، يتذكر عطفه وحنانه على أبناء غيره فضلاً عن أبناءه، يتذكر كيف كان يمسح على رأس اليتامى بكفه الرحيمة وكيف كان يمتص يتمهم كما تمتص الأم يتم ولدها، يتذكر كيف كان يطعمهم الفاخر من الطعام بيده الحانية ويقنع هو بكسرة خبز يابسة يستعين بركبته على كسرها، يتذكر كيف كانت رأفته بالأرامل الأولى فقدن أزواجهن، كيف كان يواسيهن ويمسح عنهن دمع الفراق، وكيف كانت رأفته بالشيوخ والعجائز، يحادثهم ساعة حديث الابن إلى أبيه وأمه فيفرج عنهم ويمتص آلامهم فإذا أيقن أن السرور دخل عليهم ودعهم بقلبه الكبير الذي حمل تلك الهموم الجسام التي لا يسطيع حملها قلب بشر، يتذكر كيف كان يلاطف الصغار ملاطفة الأب المهيب الذي لا يدع اللعب معهم، ولا يسقط وقاره بملاعبتهم، يتذكر كيف كان يسقي أسيره -الذي تسبب في قتله- مما يشرب لا يزيد عليه شيئا.
وعندما يتذكر كل ذلك يزفر زفرة كأن زفرات جميع المقهورين قد اجتمعت فيها، وكأنه بتلك الزفرة يبدي استعداده أن يقدم حياته كلها في سبيل لحظة يلتقي فيها ذلك الوالد الحاني، ولولا الأجل لما يحل بعد، ولولا علمه بمجاورة هذا الوالد بعد موته مجاورة لا فراق فيها لفاضت روحه ولما بقت في أرض تخلو من ذلك الحنان المتجسد لحظة واحدة.
ما يزال راحل الفكر إلى تلك الأيام يستنطق الذكريات الجميلة حتى قطع عليه رحيله صوت أنين خافت قادم من تلك الخربة المهجورة.
وسيرا على نهج والده وخطاه ترك الذكريات وتوجه نحو مصدر الصوت عله يجد من يحتاج إلى مساعدة فيساعده فيكون بذلك أحيا والده عملياً.
نظر نحو مصدر الصوت وكأنه يرى رجلاً ملقىً على التراب وقد أنهكه الضعف وأبلاه السقم، اقترب منه حتى صار أمامه فسلم عليه ورد المسن سلامه -وكان أعمى- من بين تأوهاته، ثم أردف: أينك بنياه تركتني ثلاثاً؟! فقال الرجل: هل تعرفني يا شيخ؟ فقال الشيخ المسن بعد لحظة صمت: لقد ظننتك ذلك الرجل للوهلة الأولى. فقال الرجل: وأي رجل تعني؟ فقال: رجل كريم كان يتفقدني كل يوم منذ نزلت هذه الخربة، يجلب لي الطعام ويسامرني سمر الابن البار فيدخل علي البشر والسرور ثم يمضي لسبيله، وعندما سمعت وقع قدميك خلته جاءني بعد غياب، وعندما سمعت صوتك زال شكي فصوتك صوته وأنفاسك أنفاسه إلا أنك لست هو. فقال الرجل: هلا وصفته لي أيها الشيخ؟ فقال: بلى، لقد كان رجلاً رزيناً وقورا، له نور يراه الأعمى أجلى من نور القمر وأسطع من نور الشمس، على كلامه حلاوة وكأنه يتكلم بالقرآن، كلامه صمت وصمته كلام، إذا تكلم في قضية يخاله السامع قد أفنى حياته في دراستها فلا يبصر غيرها فإن عاشره أدرك أنها مفردة من مفرداته وواحدة من إفاداته التي يكون في جميعها متقن، نَفَسَه تلميح، وكلامه لُقَاحٌ بين القول والتسبيح، إن تكلم وجمت لكلماته الطيور واجتمع أليفها مع وحشيها في صف واحد تخالهم أخوة وأحبة، لا الأليف هارب من الوحشي ولا الوحشي لاحق الأليف، إنما كل منهما مشغول عن صاحبه بتذوق حلاوة كلامه الذي تفهمه الجمادات وتتأثر به، حتى كأني أسمع الجدران تتغني بحديثه تغني الفراشة بالزهرة.
إن تحدث لا تسطيع مقاطعته أو سؤاله، وإن سكت لن تمل مجلسه. شخصيته قوية، وروحه فتية، ونفسه زكية، وسمته علوية. يداه ندية، وبالعطاء سخية، لا يخشى الفقر، ولا يغريه الغنى، ينفق كأن مال الدنيا ماله، ويأكل كأن ديون الدنيا عليه، يخاطب الدنيا كل يوم ويطلب منها أن تغر غيره وتجذبه إلى زبرجها وزخرفها، قد طلقها ثلاثاً وأسلمها إلى غيره، اكتفى منها بإزار يستر عورته، ولقمة تسد رمقه، وشربة تطفئ أواره، ونَفَسٍ يُبْقِي على نَفْسِه.
يمر وقته في الفضيلة، فيجعل بين فضيلته وفضيلته فضيلة، أنساه ذاته حبُ الناس، وأشغله عن نفسه شغلهم، نهاره وجزء من الليل مصروفٌ لهم، وجزؤه الآخر مصروف لراحته وخلوته بحبيبه، أظنه يناجيه حتى الشروق، يحادثه تارة ويسمع منه منصتاً تارة أخرى فإن بشره برضاه ومحبته سُري عنه وانكشف همه أعظم انكشاف، وإن عرفه بما أعده من عقابٍ لمخالفيه ومبغضيه شهق شهقة يخاله من يراه كأنه منهم وما هو منهم. شهقة لولا تقدير الأجل لم تبقِ عليه. ويستمر ليله بين صلاة وتفكر.
حينها أمسك الشيخ، فقال الرجل ودموعه بحر على وجنتيه: ما حاجتك يا شيخ فإني نائبه ووصيه؟ فقال الشيخ: أوهل تعرفه يا بني؟ فقال الرجل : أي والله. فقال الشيخ: أنبئني بخبره يا والدي. فقال الرجل بعد تؤدة: إني ابنه، وقد ... وقد ... فرغت توي من دفنه. حينها اسقط بيد الشيخ وبعد هنيهة قال: أتعني أنه .... فارق الحياة؟ فقال الرجل: بلى. فقال الشيخ: وا ولداه! من للشيخ بعدك ولدي؟! أوهل تطيب الحياة من بعدك؟! لا والله لا تطيب.
ابن الشهيد
3 / 11 / 1425هـ