ابن الشهيد
06-12-2004, 01:23 PM
الصحفي
وضع الصحفي مقالته على طاولة رئيس التحرير الذي طالما تشدق بكونه ديموقراطي يحترم وجهات نظر الآخرين ويقدرها ثم تراجع بضع خطوات .
رفع رئيس التحرير الأوراق بعد أن استبدل نظارته الطبية الكبيرة بأخرى مثلها ، ثم أخذ ينظر إليها شزراً ، وشرع في قراءتها بصوت مسموع : من أهم أسباب الفقر في أي مجتمع من المجتمعات إسلامي كان أم مسيحي ، يهودي أم بوذي ، صاحب ديانة سماوية أم صاحب ديانة وضعية ، صاحب ديانة أم ملحد ، هو نهب من يحكم ذلك المجتمع خيرات أبناءه وسرقته أتعابهم وحقوقهم سواء كانت السرقة صريحة أم مختبئة خلف قناع الماركسية أو الرأسمالية أو خلف أي قناع يُظْهِر المحبة ويُبْطِن المكر والضحك على الذقون . فيا ترى غنى الحكام والملوك والرؤساء كيف كان ؟ وكيف أصبح ؟ وما هي الطرق التي نما بها وربا ؟ أورثٌ ورثوه أم كسب كسبوه بعرق جبينهم وجهد ساعدهم ؟ لا أدري .... كل شخص منهم يعرف جواب ذلك على حسبه . ثم لو سلمنا أنهم كسبوه ورثاً أو كداً أوليس حاكم الناس يفترض به أن يكون أقرب شخص إلى الناس ؟ أوليس الناس منهم من يرتع في مستنقع الفقر المدقع ؟ فيا ترى من غير الحكام أولى بمواساة هؤلاء البؤساء على بؤسهم ومناصفتهم آلامهم وهمومهم ، لا سيما وأنهم أخذوا على أنفسهم العهود والمواثيق الغليظة بأن ينشروا العدل والإنصاف فكيف إذاً ينامون وحولهم أكباد تحن إلى القد ؟!
وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد
فقراء يرتعون في قعر الفقر وحكام يرتعون في قمة البذخ والسرف . فيا حاكم إن كنت سرقت أموالك من أفواه اليتامى والأيامى فمن الفضيلة إرجاع ما سرقت لأنك إن كنت تؤمن بدار أخرى يحاسب فيها المسيئون ويؤخذ حق المظلوم من ظالميه لا ريب ، فحري بك أن تفكر في ذلك اليوم حينما يكون الله خصمك ومن يدحض حجتك ، أما إن كنت لا تؤمن بذلك اليوم فالحديث ليس معك . أما إن كنت كسبت مالك من طريق صحيح فمن الكرم بل من الواجب كونك حاكم الناس أن تبذل أكثر مالك لراحة الفقراء حتى يرتاح ضميرك فأنت الحاكم ومعنى الحاكم أن يقاسم محكوميه عيشهم ويشاطرهم حياتهم فتكون أنت أفقر الفقراء حتى لا يتبيغ الفقير بفقره .
يا ترى ماذا ستفعل بالمال لو لم تنفقه على رعيتك فبعد رحيلك لن ينفعك بينما لو أنفقته على الفقراء لوجدته في غدك في يوم أنت أحوج فيه من يومك ، ففي يومك لو نزلت بك نازلة الفقر قد تجد من يحن عليك ويرأف بحالك فيتصدق عليك النزر اليسير من ماله بينما في غدك فلن تجد إلا قائلاً : نفسي نفسي ... فحتى ما كنت تستصغره في أمسك لن تجده في غدك . ثم إنك لو بذلت مالك ستجد من يترحم عليك حينما تصير عظامك رميماً وتلعب الدود في أناقتك وهندامك فلربما رحمك الله بدعائهم ، أما إن لم تفعل فلن تجد غير الذم والازدراء ولن تجد غير الفرحة برحيلك والابتهاج فالناس تكاد تعبد الفضيلة ومن يتفضل عليها إلا المرضى منهم وهؤلاء شواذ . فعد إلى ضميرك وانظر إلى وجدانك قبل أن تنظر إلى الناس وعاتب نفسك وأتعبها الجدل والنقاش ، ثم اختر لنفسك ما تراه صحيحاً .
بعد أن قرأ الرئيس المقالة رمى بها وجه الصحفي وقال : أتريد أن تقلع ما به عيناك ؟ لا أستطيع نشر هذه المقالة فقد تؤدي إلى إغلاق الجريدة .
الصحفي : ومن سيقلع ما به عيناي ؟
- الحاكم .
- إني لم أقل غلطا ولم ألفظ شططاً فإما أن يأخذ بنصيحتي فيكون حاكماً صالحاً فأكون والأمة به أسعد ، وإما أن يفعل كما قلت ويقتلع ما به عيناي في عصر الحرية وانفتاح الفكر فيكون بذلك قد جعل أصابع الناس موجهة إليه بالاتهام حيث لو لم يكن ما قلته متجسداً فيه لما عاقبني ، وأكون أنا قد قضيت شهيداً وهي منيتي ورجائي .
ابن الشهيد
8 / 6 / 1425هـ
وضع الصحفي مقالته على طاولة رئيس التحرير الذي طالما تشدق بكونه ديموقراطي يحترم وجهات نظر الآخرين ويقدرها ثم تراجع بضع خطوات .
رفع رئيس التحرير الأوراق بعد أن استبدل نظارته الطبية الكبيرة بأخرى مثلها ، ثم أخذ ينظر إليها شزراً ، وشرع في قراءتها بصوت مسموع : من أهم أسباب الفقر في أي مجتمع من المجتمعات إسلامي كان أم مسيحي ، يهودي أم بوذي ، صاحب ديانة سماوية أم صاحب ديانة وضعية ، صاحب ديانة أم ملحد ، هو نهب من يحكم ذلك المجتمع خيرات أبناءه وسرقته أتعابهم وحقوقهم سواء كانت السرقة صريحة أم مختبئة خلف قناع الماركسية أو الرأسمالية أو خلف أي قناع يُظْهِر المحبة ويُبْطِن المكر والضحك على الذقون . فيا ترى غنى الحكام والملوك والرؤساء كيف كان ؟ وكيف أصبح ؟ وما هي الطرق التي نما بها وربا ؟ أورثٌ ورثوه أم كسب كسبوه بعرق جبينهم وجهد ساعدهم ؟ لا أدري .... كل شخص منهم يعرف جواب ذلك على حسبه . ثم لو سلمنا أنهم كسبوه ورثاً أو كداً أوليس حاكم الناس يفترض به أن يكون أقرب شخص إلى الناس ؟ أوليس الناس منهم من يرتع في مستنقع الفقر المدقع ؟ فيا ترى من غير الحكام أولى بمواساة هؤلاء البؤساء على بؤسهم ومناصفتهم آلامهم وهمومهم ، لا سيما وأنهم أخذوا على أنفسهم العهود والمواثيق الغليظة بأن ينشروا العدل والإنصاف فكيف إذاً ينامون وحولهم أكباد تحن إلى القد ؟!
وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد
فقراء يرتعون في قعر الفقر وحكام يرتعون في قمة البذخ والسرف . فيا حاكم إن كنت سرقت أموالك من أفواه اليتامى والأيامى فمن الفضيلة إرجاع ما سرقت لأنك إن كنت تؤمن بدار أخرى يحاسب فيها المسيئون ويؤخذ حق المظلوم من ظالميه لا ريب ، فحري بك أن تفكر في ذلك اليوم حينما يكون الله خصمك ومن يدحض حجتك ، أما إن كنت لا تؤمن بذلك اليوم فالحديث ليس معك . أما إن كنت كسبت مالك من طريق صحيح فمن الكرم بل من الواجب كونك حاكم الناس أن تبذل أكثر مالك لراحة الفقراء حتى يرتاح ضميرك فأنت الحاكم ومعنى الحاكم أن يقاسم محكوميه عيشهم ويشاطرهم حياتهم فتكون أنت أفقر الفقراء حتى لا يتبيغ الفقير بفقره .
يا ترى ماذا ستفعل بالمال لو لم تنفقه على رعيتك فبعد رحيلك لن ينفعك بينما لو أنفقته على الفقراء لوجدته في غدك في يوم أنت أحوج فيه من يومك ، ففي يومك لو نزلت بك نازلة الفقر قد تجد من يحن عليك ويرأف بحالك فيتصدق عليك النزر اليسير من ماله بينما في غدك فلن تجد إلا قائلاً : نفسي نفسي ... فحتى ما كنت تستصغره في أمسك لن تجده في غدك . ثم إنك لو بذلت مالك ستجد من يترحم عليك حينما تصير عظامك رميماً وتلعب الدود في أناقتك وهندامك فلربما رحمك الله بدعائهم ، أما إن لم تفعل فلن تجد غير الذم والازدراء ولن تجد غير الفرحة برحيلك والابتهاج فالناس تكاد تعبد الفضيلة ومن يتفضل عليها إلا المرضى منهم وهؤلاء شواذ . فعد إلى ضميرك وانظر إلى وجدانك قبل أن تنظر إلى الناس وعاتب نفسك وأتعبها الجدل والنقاش ، ثم اختر لنفسك ما تراه صحيحاً .
بعد أن قرأ الرئيس المقالة رمى بها وجه الصحفي وقال : أتريد أن تقلع ما به عيناك ؟ لا أستطيع نشر هذه المقالة فقد تؤدي إلى إغلاق الجريدة .
الصحفي : ومن سيقلع ما به عيناي ؟
- الحاكم .
- إني لم أقل غلطا ولم ألفظ شططاً فإما أن يأخذ بنصيحتي فيكون حاكماً صالحاً فأكون والأمة به أسعد ، وإما أن يفعل كما قلت ويقتلع ما به عيناي في عصر الحرية وانفتاح الفكر فيكون بذلك قد جعل أصابع الناس موجهة إليه بالاتهام حيث لو لم يكن ما قلته متجسداً فيه لما عاقبني ، وأكون أنا قد قضيت شهيداً وهي منيتي ورجائي .
ابن الشهيد
8 / 6 / 1425هـ