المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ][ ذكــريات من ليلة وفــاتي ][ !!



همسات
19-11-2004, 08:55 PM
قرأتها واعجبتني
كانت ليلة باردة لايعكـر هدوءها إلا ريحة المطهّـر اللي يميز المستشفيات ، وبالرغم من أني ماكنت أحس بأي ألم إلا أني كنت أتقلب على سريري خايفة من بكره… ما أدري ليش ..؟!!!

ابتسمت وأنا أتذكر زوجي ، كان يقول : لا تخافين يا العنود الطب تطور ، وأنا ابلف بك العالم لين تشفين ، لا تخافين أنا معك .

ابتسمت وأنا أتذكر كلامه والخوف اللي بنظراته وهو يحاول يطمني .. أمي يا حليلك يا يمّـه… طول الليل كانت تصلي وكل ما فتحت عيوني سمعت صوت همساتها تدعي لي ، وتتضرع لله .. يا حليلك يا يمّـه .. ويا حليل عيونك اللي مَورْمه من البكاء ، بالرغم من أنّي ما أشوفها وهي تبكي ..

أشياء كثيرة تغيرت هالأيام ، زوّاري كلهم تغيروا ، ما عاد يجيني أحد من سني ، لا ما عاد أشوف إلا كبار العائله اللي يتصفون بالدين والعقل .. شيء غريب !! ما أدري وش سببه ..؟! حتى الأحاديث اللي تطرح في غرفتي كلها عن قوة الإيمان والصبر .

وما عاد أحد يذكر لي الأمل في الشفاء ، ولا أخبار العائله ..!! بنت عمي ولدت ما دريت إلا بالصدفه ، سمعت وحدة تبارك لأمها في زيارتي ..

وش صاير ..؟!!!!!

والله شكيت أنهم يعرفون عني شيء أنا ما أعرفه .. يعني يمكن الطبيب قال في حالتي شيء ..؟!!!

بس طردت وساوسي بحجة إن الطب تطور ، والطبيب شكله متطمن علي ، وزوجي يقول إني بشفى إن شاء الله أكيد .. قطع صوت أمي حبل أفكاري ، وهي تناديني : العنود قومي وأنا أمك صلي .

ابتسمت وأنا أتذكر كيف أمي تغيرت .. أمي أول من كثر حبها لي في البرد إذا أذن الفجر تهمس في أذني إني أصلي ، وكنها ودها إني ما أسمعها ، وإذا ما قمت تعيمت عني وسكتت وابعدت ، وهي تدعي إن الله يهديني .. غريبه من بداية مرضي وهي حريصه على صلاتي ، تقومني بصوت حزين مستسلم ، ابتسمت وقلت لها : أنا قايمه يا يمّـه ..

تنهدت وقالت : الله يشفيك يا بنيتي ..

قلت : يمّـه… ليش أنتي حزينه ..؟! ترى أنا طيبه ، والله ما فيني إلا العافيه بالذات اليوم ..

وطلعت أمي وأنا أكلمها وتركتني .. استغربت ، وسكت ، وقمت أصلي .. يوم سلمت وقبل لا أقوم عن سجادتي الا باب الغرفه يدق الفجر ..!!!

من جاي هالوقت ؟!!!

شفت أخوي الكبير محمد يطل من الباب .. ابتسامته تنـوّر وجهه الملتحي ، بس ابتسامته كلها حزن ..

قال : كيف حالك يا الغالية اليوم ..؟! وبعدها سلم على أمي وانحنى يسلم على يدها ..

قلت : الحمدلله بخير .. اليوم أنا طيبه ، وأظنهم اليوم بيطلعوني .. عندي إحساس !!

الغريب بالرغم من إني كنت أبي أفرحه إلا أنه التفت عني وراح للشباك ، وفتحه ووقف عنده شوي وهو يتنفس بعمق ويذكر الله .. وكأنه يحاول يطرد الشيطان ، بعدين قال بدون ما يرفع عينه من الأرض : ودّي أغيـّر اتجاه سريرك يا العنود ..

وقبل لا أرد حـرّك السرير وخلاه من جهة القبله … ابتسمت ، وقلت : لييش ؟!!

قال وهو ما رفع عينه من الأرض وبصوت مرتعش : أفضل علشان إذا دعيتي الله تكونين مواجهة للقبله ..

قلت وأنا أضحك : محمد أخاف ذي بدعه ، انتبه !!

لم يرد علي محمد ، وحط مصحف جنب سريري وخرج وتركني ، ولحقته أمي ، وأنا ابتسمت وأنا أتذكر المناقشات الحاده اللي كانت تدور بيننا في أمور الدين .. كان دايم ينصحني ويوعظني ، وأنا بالرغم من إني أحترمه إلا أني كنت أناقشه في أي فكره يقولها ، وأقول اللي في خاطري ، وهو كان متقبـل للمناقشة ويرد برحابة صدر ..

رجعت لسريري وتمددت عليه ، فعلاً هالمكان أحسن من الأول ، هنا أقـدر أشوف الحديقه اللي بـرا وأشوف العصافير تغرد في الصبح .. تذكرت شباك غرفة بنتي ساره ، أكيد العصافير متجمعة عنده ألحين .. يا ما أزعجتني أصوات تغريدها ، وفتحت الشباك علشان أفرّقها ، لا تقوم حبيبتي سارة وترتاع .. يوه… وينك يا ساره ..؟! بكرة بتنامين في حضني إن شاء الله وأبعوضك عن الأيام اللي قضيتها بعيده عنـك في المستشفى ، بكـره أبشـم ريحتك يا عمري

دخلت أمي ، قلت : يمّـه سارة تراها الأيام الأخيرة تجيها كوابيس ، عساك وصيتي نورة عليها لا تفارقها لو دقيقة في الليل لين أجي . قالت أمي : ما عليكي أنتي ، ساره مرتاحه ، فكري بنفسك بس ..

تمددت على سريري وأنا أطالع الساعه على الحائط ، الدكتور بيجي الساعه 10 وأبقوله إني أبطلع خلاص ، ماله داعي أربك أهلي وزوجي أكثر من كذا خاصة ان أخوي ماجد قـرّب زواجه .. وسحبت مجلة أزياء ، وفتحت على صفحه الموديل اللي اخترته لزواج أخوي ماجد ، واتخيلت شكلي وأنا لابستـه ، يوووه أبقهر كثير من البنات اللي ينافسوني بالعايله ، أبكسر عينهم .. وقعدت أفكر … كيف أقنع الخياطه علشان توافق تخيطه بسرعه وبعدها غفيت ...

قمت بعدها على صوت أخوي محمد يقرأ قرآن عند راسي ، وفتحت عيوني ، وابتسمت له ..

قلت : محمد ما بعد رحت البيت ؟!!! يوه وعملك ؟!!!!

مارد علي وكمّل قرايه لين ختم السوره ، وهذا أبو سارة زوجي الحبيب اللي مسك يدي ، وقال وهو يبتسم بحنان : هاه العنود … عساكِ ما تحسين بشيء ..؟!

استغربت من سؤاله ..!!! قلت : لا أنا يا خالد طيبه ، ما فيني إلا العافيه ، وودي أطلع بصراحه ..

قال : الله يشفيكِ ..

وابتعد عني بسرعه لا أشوف دموعه ، وفي هاللحظه سمعنا دقات على الباب ، ودخلت الممرضه لتعلن وصول الطبيب .. وفي هاللحظه زوجي نقـز من مكانه كـنـه مقروص ، وخرج بسرعه مثل الواحد اللي يبي يهرب ، أما أنا فرحت وقلت للممرضه بحماس : خلّيـه يدخل أنا جاهزه !!

ودخل الطبيب ، طبيبي يشبه أخوي محمد كثير ، انسان ملتزم وملتحي ومحترم ، ما أذكر مره إنه رفع عينه في عيني إلا للضروره ، وأنا أستحي منه مره ، بس أثق فيه وأعتبره زي أخوي ..

قال : هاه .. كيف حالك يا العنود ..؟!

قلت بسرعه : الحمد لله يا دكتور ، أنا اليوم أفضل يوم لي من بداية مرضي ، وأبي أطلع خلاص ، اشتقت لبيتي .. !!

أخوي محمد في هاللحظه طلع بسرعه وأمي لحقته وتركوني لحالي مع الطبيب والممرضه ، الظاهر كانوا يتوقعون انفجار لغم .. قال الطبيب بوجه جامد ما فيه من الإحساس ذرّه ، وكأنه مو هو اللي يتكلم إلا كأنه يحكي بلغه هو نفسه ما يعرفها، قال : العنود أنا بكتبلك خروج !!

نوّر وجهي بابتسامه وأنا أدس يديني تحت الغطوه لا يشوفها الطبيب ، وكمّل كلامه بوجه جامد: العنود .. أنتِ وحده مؤمنه وأكيد عارفه إن الموت حق .. وسكت ...

تسارعت أنفاسي وأنا أقول : إيه…

كمّل يا دكتور .. حالتك ميؤوس منها وبطلعك علشان تقضين آخر أيامك في المكان اللي تحبينه .. ورجع لصمته وسكت الطبيب ، وسكت كل شيء بالغرفه ، بس أنا ما عاد أسمع إلا صوت أنفاسي وصوت أكوام الأمل اللي انهدت في قلبي ، ومن الصدمه رميت غطوتي بعيد وقمت بحماس ، وكأني ابدافع عن حياتي ، وكأن الطبيب هو اللي يبي يسلبها مني ، وانحنيت ، ولأول مره أحط عيني في عين طبيبي اللي ما رفعها عن الأرض ، وقلت بحماس : دكتور ..!!! لا تقول كذا أنا طيبه ومافيني شي يادكتور ..!!! وش هالكلام ..؟!!! دكتووور كيف الطب يعجز عن حالتي أنا ؟!!!!! أنا ؟!!! أصلاً أبو ساره قال إنه يبي يلف بي العالم ..!!! كيف المرض ينتصر على شبابي وحيويتي؟!! أنا أقوى منه أكيد ..

قال الدكتور : يا العنود الموت والحياة بيد الله ، والطب وسيله ، وما أدري ..؟! يمكن يبقالك ساعات أو أيام أو أسابيع ..؟! بس حالتك يا العنود ما عاد نقدر نسيطر عليها ... ( وسكت بعدها الطبيب ) ..

قبل لا يطلع الطبيب قال وكأنه يبي يخفف عني : ( أبعطيك أقوى المهدئات ولا راح تحسين بالألم في باقي أيامك إن شاء الله .. حسّيت ساعتها إني مجوفه فاضيه من الداخل ، حسيت الدنيا سوداء حواليني ، وبدت تتضح لي صور من بعيد في مخيلتي ، أول صورة شفتها كانت صورة سارة بنتي وهي تضحك وعمرها شهور .. وبعدين شفت صورة زواجي وأنا لابسه أبيض وزوجي ماسك يدي بفخر ، وهذي أمي وهذي زميلتي في المدرسة شفتها مع إني من بداية الصيف ما قابلتها ولا كلمتها وشفت العصافير اللي بغرفة ساره .. وآخر صوره شفتها قبل لا أفوق كانت فستان زواج ماجد اللي اخترته من مجلة الأزياء ..

حسيت باختناق وضيق ، هذا حضن أمي اللي دخلت علي وضمتني ، وأبعدها عني بقوه وقاومت علشان أتخلص من حضنها ، وسمعت صوت زوجي يكلم الطبيب عند الباب ، طالعت أمي بعصبيه ، وقلت : يمّـه ما أبي أشوف خالد !!

كانت رغباتي أوامر في ذيك الساعه ، ركضت أمي وردتـه من عند الباب ، ما كنت أبي أشوفه ، كنت متأكده إني ما راح أتحمل شوفته هو بالذات ، حسّيت إنه يبي يذكرني بأيام الرخاء وأنا ألحين في شده ..

وينكم يا أهلي؟!!

بس ما أبي غيركم ..

ما بكيت ولا نزلت مني ولا دمعه ، وكأن الخبر كان فوق مستوى البكاء ، بالعكس تحمست وقلت : يا الله أبطلع !! أكملت إجراءات خروجي وقبل لا أطلع جت المريضه اللي بتاخذ غرفتي ، طالعت عيونها فيها بريق أمل تختلف تماماً عن نظرتي أنا ، كانت نظرتي ميته عميقه مالها لمعه .. سبحان الله للأمل بريق في العيون .. وطلعت وقلت لأخوي : محمد ما أبي بيتي ، أبي أروح لغرفتي قبل لا أعرف خالد !!

وفعلاً أخوي بدون أوامري كان رايح لبيت أهلي .. ونزلت ودخلت البيت بس ما لقيت في استقبالي إلا خواتي الكبار!! والبيت كأنهم أخلوه لي ..!! هذا بيت أهلي العامر اللي الكل داخل طالع ..!! الحين هادي كأنه مقبره ..!!!

رحت لغرفتي ورميت عبايتي ، كنت ناويه أتحمم وأغير ملابسي ، وأستعد علشان أضم ساره لصدري بس ألحين غيرت رأيي ، ما أبي أشوف ساره ، ما أبي أشعر إنها معتمده علي في شيء ، أبي أوكل أمرها لله ، ونِعم بالله .. أبخليها في وداعة الرحمن ومن يحفظ الودائع مثل الله .. دخلت أمي وهمست بصوت واطي ، قالت : العنود وش تبين تاكلين ..؟!!!

قلت لها : ولا شيء !!

وقلتها بحزم وقوه : يمّـه ما أبي شيء !!

أمي أوّل كانت دايم تتابع أكلي وتجبرني إني آكل ، حتى بعد ما تزوجت كانت تحرجني عند زوجي اللي كان يضحك من حرصها على أكلي ، وكأني طفله ، بس اليوم ولأول مره احترمت رغبتي وسكتت وكأنها تقول : ماله داعي الأكل ما دام آخرته للدود ..

بعدين قالت لي : يا بنيتي زوجك يبي يشوفك ..

قلت بصوت عالي وكأني أكلمهم من العالم الآخر : لا ما أبي أشوفه .. وطلعت ورجعت مره ثانيه وقالت : ترى خالد يقول إذا وافقتي تشوفينه هو ينتظر في المجلس مع أخوك ..

بس أنا قررت إني ما أعذب أحد وإني أقضي آخر أوقاتي لحالي ، قلت: يمّـه روحي… إن بغيتك ناديتك ..

قالت أمي : أبقعد عندك أوسّع صدرك ..

قلت : يمّه ماني فاضية ووقتي قصير ..

طلعت وأنا أتذكر الوقت اللي كنت أضيعه في أمور تافهه مثلاً مجلة الأزياء اللي اخترت موديل زواج ماجد منها ، جلست في المكتبه ساعتين علشان أختارها وأشتريها ، وألحين تركتها في المستشفى ونسيت رقم الصفحه ، وما راح ألبس الفستان أبداً ..
يا الله يا وقتي أثرك كنت غالي الحين ..!!!!

عندي أشياء كثيره أبي أسويها بس ما عرفت ..!! زي الطالب إذا أعلن المدرس إنه باقي له عشر دقايق من وقت الامتحان ، وهو ما بعد كتب في الورقه شيء ، يبي يسلم ورقته قبل العشر الدقايق ما تنتهي ، لأنه راح يتوه بين الأسئله .. وأنا هذا شعوري أبدأ بإيش ولا إيش!!

جلست أفكر شوي وطلّعت ورقه وقلم ، قلت أبكتب وصيه… وصيه ..؟!!!! زي الأفلام اللي كنت أتابعها .. يا ما سهرت أطالع ناس ( أظنهم ) أردى خلق الله ، وهم يفتعلون حكايات تافهه مالها بالواقع صله ...

يا خساره ذاك الوقت كان ربي نازل بالسماء يقول : هل من مستغفـر فأغفـر له ..؟! هل من داعي فأجيبه ..؟!!

يا خساره ليتني قمت وصليت ودعيت إن الله يخليني لساره وأبوها، يا ليتني على الأقل رحت لساره وضميتها لصدري ..

وفجأه رميت الورقه والقلم ، وقمت وفتحت الدولاب ، وطلعت فستان حرير كان خالد يحب يشوفه علي ، ولبسته ولبست جزمه مناسبه ، وفكيت شعري وطلعت دهن العود وحطيته على شعري ، ووقفت قدام المرايه وتأملت صورتي : يا الله كم باقي من الوقت ويندس هالجمال في التراب ..؟!! كم باقي من الوقت وتمشي الحشرات على هالخد النظر؟!!
كنت أعتني بجسمي ، حمامات زيت وكريمات ، وأكافح التجاعيد ، بس ليتني وصلت لسن التجاعيد!!

خساره الوقت الممل اللي قضيته وأنا أوزع شرائح الخيار على وجهي ياخساره ليتني رحت قريت سوره من القرآن ولا لعبت مع ساره حبيبتي قبل لا تفقدني ..

وقفت وطالعت جسمي .. هالجسم الممشوق بيتمـدّد بالقبر بعد ساعات .. يا ترى ضلوعي هذي بتلتقي بضمة القبر ..؟!
يا ترى رقبتي اللي يا ما رفعت راسي لفوق بتنحني على صدري ..؟! وتذكرت كيف أصرّيت إني أنضم لنادي ، وكيف احتلت على أبو ساره واستخدمت جميع الوسائل ليين سحبت منه الموافقه سحب ، بالرغم من إنه ما كان موافق من قلبه وكان كاره ويقول : هالوقت أنا أولى به يا العنود !!

بس لا زواج ماجد قرب ، وكنت ناويه أكون فتنة الحفل فيه ، وألحين الله ينجيني من فتنه الممات .. طلّعت علبة مجوهراتي ومسكت خاتم كبير اشتريته أيام زواجي ، كانت في الخاتم نقوش ، تفحصت النقش ، وطرا على بالي طاري … يا ترى أنا كنت أزكي عن هالذهب ولا لا ..؟! أظن أبو ساره كان يزكي عن ذهبي ، أظن بس ماني متأكده ، ما قد سألته أبد ، وتفحصت النقش مره ثانية وفركت جبهتي وأنا أتسال… يا ترى هالرسوم بتطبع في جبهتي وأكوى بها ولا بينجيني الله ..؟!!! تأملات غريبه طرت على بالي ، ومشى الوقت بسرعه وأنا بين أدويتي المهدئه وبين صلواتي وقرآني ..

بالليل طلعت من الغرفه ولقيت سجادة أمي عند الباب ، أمي ما نامت تصلي وتدعي وجلست عندها والتفتت علي ، نظراتها تجمع فيها حنان أمهات الدنيا كلها ، ناظرتني نفس نظراتها لي يوم كنت طفله ..

قالت : تبين شيء يا بنيتي؟!!

قلت : يمّـه أبي رضاك عني ..

انفجرت أمي تبكي .. بكت ... بكت ... وأنا تحجّـرت الدموع في عيوني ولا دمعه هليتها وانتظرت لين هدت ، وقالت: أنا راضيه عنك يا بنتي .. والله إنك من بين إخوانك كلهم أقل وحده تعبتني في الحمل والولاده والتربيه ، أنا راضيه عنك يا بنتي والله يرضى عنك إن شاء الله ..

تنهدت براحه وقمت من عندها ومشيت لمحت أختي طالعه من الغرفه ، أختي من أسبوع ما شفتها بس غطت وجهها بيدها وكأنها شايفه شبح ودخلت لغرفتها بسرعه ومشيت .. كنت أدوّر في البيت مثل مومياء أعدّوها لتابوتها ، أمشي ببطء ..

كل أهل البيت سهرانين ، وش هالليله الغريبه ..؟! كل واحد ماخذ له زاويه وجالس لحاله ، هالليله تشبه ليلة السفر ، صح هي فعلاً ليلة سفر ، وتذكرت كيف كنت أقلق في كل ليلة سفر ولا أنام ، صحيح إن سفري كان سياحة إلا إني أتقلب بفراشي وكل شوي أروح أتاكد إن أغراضي جاهزه ..

يووه اليوم سفرتي غير ، سفرتي ما فيها رجعه ، ومفاجأه وماني مستعده لها أبد ..

مشيت على صوت ترتيل أخوي محمد للقرآن ، كنت أتتبع الصوت لين دخلت عليه ، محمد أعز إخواني على قلبي .. ما أنسى أول أيام التزامه كيف كانوا أهلي يعلقون عليه بحجة إنه متشدد ، وكنت أشجعه ، أعرف إن هذا لصالحه دنيا وآخره ، وقلت له يصبر عليهم ويحتسب ، وهو الربحان في الأخير .. وفعلاً بدا يجني ثمار صبره وألحين الكل يثق فيه وياخذ شوره ..

جلست جنبه وهو يقرأ تغيرت نبرة صوته يوم دخلت وبدت تتذبذب ، وباين كيف كان يكافح علشان يثبتها في مستوى واحد وارتفع صوته علشان يسيطر على ضعفه ، وأنهى السورة والتفت علي ...

قلت : محمد… وش أنا مقبله عليه ؟!!

ابتسم بحماس ودموعه تهل وقعد يحكي لي عن رحمه الله ، وهو محافظ على ابتسامته الطيبه بالرغم من دموعه ، وحكى لي كيف إن الله رحيم بعباده وإنه أحن عليهم من الأم على ولدها ..

قلت : محمد كيف الموت ..؟!!!

قال : إن شاء الله بيكون سهل كــ…..

قاطعته وقلت : محمد وش البرزخ ..؟!!

كنت أفكر بصوت عالي وأبي أحد يسمعني ، بس قال : البرزخ هي الحياة بين الدنيا والآخرة و....

قلت : محمد كيف بيكون حالي فيها إذا ما دعيتوا لي ..؟!!!

ورفع يدينه للسماء واجتهد بالدعاء ، وأنا طلعت من عنده ، وبدون لا أشعر ساقتني رجليني للمجلس ، كنت أبي أعرف أبو ساره هناك ولا راح ينام على سريره اللي أعرف إنّه ما يرتاح إلا عليه ، وجاء في بالي فكره … يا ترى يبي يتزوج بعدي ..؟!!
أكيد أنا أعرف أبو ساره ما يحب الوحده … يا خسااااره ..

دخلت المجلس ورفع راسه لي تمنيت إني ما لقيته ، وتراجعت وناداني ..

قال : العنود تعالي يا حبي الأول والأخير .. وبكى ساعتها كثير وانا بكيت معاه .. أنا كنت عارفه إني ما راح أتحمل شوفته هو بالذات ..

قلت : ما لك عندي شيء يا خالد خلاص الموت بيخطفني منك اليوم ، يمكن أشوفك في الجنه كاننا من أهلها إن شاء الله ..

قال : إن شاء الله إنك من أهلها ، أنا راضي عنك يا العنود ، ومن ماتت وزوجها عنها راضي دخلت الجنه ..

قلت : بس أنا كنت مقصره معك كثير ..

قال : بالعكس حياتي معك كانت حلم جميل ما تمنيت إني أفيق منه يا العنود .. كل شيء معك كان له طعم حتى زعلك ودموعك وغضبك كنت في جنه يا العنود وكنت متأكد إنها ما راح تستمر السعادة اللي كنت فيها… العنوووود والله ما أنساااكِ ..

حرّك خالد يده بقوة وصرخ : والله العظيم ما تغيبين عن بالي يالغاليه .. وهو يحلف أنا كنت أتخيله وهو ماسك يد عروسته الجديده ويطالعها بفرح وهي تبادله النظرات ..!! خساره كان زوج نموذجي وكنت أحبه خساره… الله يخلفه علي ، وقمت طلعت وكملت رحلتي الكئيبه ..

هالمره وقفت عند الباب اللي ساره تنام وراه وقفت وأنا أحاول أبلع عبرتي تردّدت أدخل ولا لا .. ساره كانت متعلقه فيني كثير أول أيام مرضي كانت تبكي طول الليل تبيني بس بالأخير رضخت للظروف وتعلمت كيف تنام بعيد عن حضني حاولت إني ما أدخل علشان خاطرها ليش أقلب مواجعها ..؟!! بس حسيت إني إذا ما شفتها بتتحول آخر ساعاتي إلى ثواني ولأول مره أتصرف بأنانيه وأفتح الباب وأدخل كانت أختي نوره تنام جنبها على السرير وجلست وانحنيت على سارة وشمّيتها ..

قلت : يا حبيبتي يا ساره ..

وحسّت أختي نوره فيني وقامت مرتاعه وقالت : العنود ..؟!!!

نوره ماشفتها من كم أسبوع بس ما سلمت عليها كنت أودّع العالم وماني فاضيه أسلم ..

قلت : نوره أنا أبنام جنب ساره اليوم .. وابتعدت وهي متردده ، وتمدّدت جنب ساره وضميتها وبكيت والتفت على نوره ..

قلت : نوره ترى كان ودي أشوف ساره وهي تكبر كنت أتمنى أشوفها عروس قولي لها في يوم زواجها يا نوره .. الله يخليكِ كنت أبيهم يذكروني ويترحمون علي بس في ذاك اليوم .. ولا ساره ما أظن إنها بتهل دمعتها علي لأنها ما عرفتني زين تذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم اللي معناه إن الابن الصالح ينفع والديه والتفت على ساره ودّي أصب عليها التربيه كلها في ذيك الساعه كنت أبيها تطلع صالحه .. وتمددت جنبها ..

وما أدري كم من الوقت مر ..؟!!

ولأوّل مره أسمع صوت أذان الفجر ولا أقدر أتحرك أحس رجولي مكبله كأني في كابوس عيني ثابته على سقف الغرفه .. حاولت أتحرك ما قدرت وصورة ساره في عيوني وهي نايمه ، كنت أبي أضمها ثانية ما شبعت منها .. أغيب عن الوعي وأصحى ثانيه شفت العالم يصرخون حواليني ، غرفة بنتي الهادئه امتلت بالناس اللي يبكون ، هذي أمي وهذا أخوي محمد وهذا زوجي وهذا واحد ما أعرفه ، أظنه طبيب ..

جسمي الغض كان متشنج ، والتفت سيقاني ببعض ، كنت أبي أبكي أستغيث بس ما أقدر أتحرك ، قلبني الطبيب يمين ويسار كنّي خرقه بين يديه ، وكلم أهلي وسمعت صوت بكاء شديد ...

ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل إن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا

وهنا حسيت بقبله رطبه على خدي وفتحت عيوني لقيت وجه قريب من وجهي وابتسامه هبلا !!!

ساره ..!! هذي ساره بنتي ..!! ضمّيتها وبكيت… بكيت… وش صار ..؟! وين أنا فيه ..؟!! وسمعت صوت خالد من دورة المياه وهو يغسل ويقول : العنود وش فيكِ رجعت لك كوابيسك مره ثانيه ..؟!! تعوذي من الشيطان وقومي يا الله أنا ألغيت كل مواعيدي علشان أوديكِ للخياطه ..

حمدت الله إن هذا كان حلم وإني إلى الآن أقدر أضم ساره وقلت لزوجي على طول : لا ما أبي أروح للخياطه ..؟!
ما أبي أترككم يا خالد ..

طلع من دورة المياه وهو مبتسم بتعجب وقال : و زواج ماجد ..؟!!!

قلت : عندي فستان عادي أبلبسه ..

ابتسم وكأنه مو مصدق كلامي وفتحت الشباك وشفت العصافير واستنشقت هواء نقي وحمدت الله إن ذيك الليله الرهيبه كانت حلم .. بس حلم ممكن يصير من يضمن حياته ..؟!! وقررت إني أستعد لها من اليوم ..




تحيــاتي ..

عاشق الأمة
19-11-2004, 09:34 PM
شكراً جزيلاً على القصة الي تعضت منها كثيراً وارجو من جميع الاعضاء الأستفادة والأتعاض
من القصة وشكرا لك يا {{(( همسة ))}}




تحياتي

همسات
20-11-2004, 05:48 PM
مشكـــور اخوي ][ عاشق الامه ][


على تعقيبك ومرورك على صفحتي ...



تحياتي

لين
25-10-2009, 04:24 AM
وحمدت الله إن ذيك الليله الرهيبه كانت حلم ..
بس حلم ممكن يصير من يضمن حياته ..؟!!
وقررت إني أستعد لها من اليوم ..

يا رب .. يا رب .. يا رب .. يا رب