العاشقه
20-04-2006, 07:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كان في خاطري يجول سؤال يحيرني وهوما الحكمة من غيابه؟
من المؤكَّد أنّه لم يستتر شخصه عن أبصار معاصريه إلاّ بتقدير من الله العزيز . . والله عزّ اسمه ، لا ولن يستشير أحداً من خلقه فيمايفعله ، لأنّه حكيم ((لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . . فلأمر ما ، لا تدركه عقولنا ببداهة ، كانت الغيبة ، وكانت عن إرادة حكيم لا شكّ أنّ في تقديره حكمةً لا تنالها الأفهام القاصرة ، ولا تتناول سرّها الأذهان المحدودة ضمن هذه الجمجمة العظميّة الصُّلبة ، وسينكشف سرُّها يوم الظهور المبارك ، فنقول للؤمن :
تَعَبَّدْ بها أصلاً من أُصول عقيدتك ، كالمسح على الرأس والقَدَمين حين الوضوء ، فلا هو غسلٌ فنظافة ، ولا هو واضحُ السبب كبقيّة الأجزاء . . فارْضَ بما في يديك من البراهين المأثورة عن طرق السماء التي أنزلت العقيدة بأصولها وجزئيّاتها كما هي ودون مشاركة الله في علمه . . ونقول للذي يعتمد الفكر ، ويريد أن يحلّل أسباب الغيبة زيادة عمّا سبق وعمّا يلحق :
فلسِفْها برأيك . . كيف شاء فهمُك وإدراكك ، وبالشكل الذي تطمئن إليه نفسك ، ويركن إليه عقلك ويتيسّر به اقتناعك . .
ولكن إيّاك وتعجُّل الأمر والبتّ . . وإيّاك وإنكارها والقطع قبل أن تنظر في سير السابقين والغابرين! فإنّ فيما مضى دروساً جدّ مفيدة في تحقيق ما يقع حتّى لكأنَّ الذي يضرب صفحاً عن الماضي ويُنكره ويتنكَّر إليه ، يُعمِل فكره في المجهول ، ويتخبّط في سُراه كما تتخبّط الناقة العشواء في الليلة الظلماء . . فَقِسْ يومك على البارحة . . واعرض خطة سيرك على محكِّ الفكر المستنير الذي يستفيد من سِيَرِ الماضين ، وخذ درساً عن غيرك مستفيداً ممّن تورّط فهلَك ، وممّن أحكَمَ فنجح ، وزد على ذلك من مبتدعات ذهنك الخلاّق ما شاءت لك عبقريتك الفذّة . . . ثمّ نقول لمن يطلب المثَل :
أَوَلَمْ يستتر نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات يخاف على نفسه مَرَدَة قريش وجبابرتها ، يحميه عمّه أبو طالب ، شيخ الأبطح وسيِّد الهاشميّين(عليه السلام)؟! .
أوَلَم يستتر قبلها في غار حِراء ، محافظةً على نفسه ورسالته ، وهرباً ممّن كان يؤذيه في عبادته ، ويقف في سبيل دعوته وقوف وقاحة وصلَف ، حين قلّة المؤمنين بدعوته وفقدان الأنصار؟! .
ثمّ لماذا استتر إدريس(عليه السلام) عشرين سنة خوفاً من أُمّته الضالّة التي رفضت دعوة الحقّ وناصبت رسول الله إليها العداء؟! . .
ولماذا قال موسى (عليه السلام) لقومه : ((فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ) ، لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل حين سنحت لي الفرصة؟! .
فالجواب ـ مبدئيّاً ـ هو علّة الغيبة طالت أم قصُرت ، أي الخوف بعناه الذي ذكرناه آنفاً ، لا خوف واحد عاديّ من القتل ، بل خوف المهدي(عليه السلام) الذي صطفاه الله حجّةً على كلّ ظالم يعرف الحقّ ويحيد عنه ويحكم بغيره ، ويعرف الظلم ويفعله ، والذي ادَّخره ربّه ليمحق الظلم ، ويقيم العدل حين تتمّ الموازين التي قدَّرها ربّه لظهوره ، وحين تقتضي الحكمة تأديب الطواغيت من الخلق الذين لا يعملون بحقٍّ ولا يمتنعون عن باطل! .
لهذا صدع النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذكر صفاته وعلاماته ، منوِّهاً إلى أنّ الله تعالى قد أخفى يوم ظهوره ، ليؤمن مَن آمن عن بيِّنة يُمْتَحنُ بالتصديق بها ، ويهلك من هلك عن بيِّنة كانت عنده غير كافية للتصديق ، لأنّه هو ذاته ، وعلاماته وصفاته ، قد بلغتْ سمعَ الناس ، سائر الناس ، من حاكمين ومحكومين . . فمن يحمل نفسه على الإيمان بأمر الله وقول رسوله ويصدِّق بوجود إمام غائب منتَظر يكنْ له أجر المؤمنين بالغيب ، ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين اليوم ، كما كان غنيّاً عمّن سبقنا من الأُمم التي ذاقت من العذاب ألواناً وألواناً بالأمس القريب أو البعيد في أغوار التاريخ . .
هذا ، والأمّة الإسلامية لا تعدو بشأنه خُطى الأمم السابقة ـ كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ إذ كلُّ نبيّ قد توارى عن قومه لمّا اقتضت مصلحة دعوته ذلك : من إبراهيم إلى إدريس فصالح فيوسف فموسى ، فعيسى فمحمّد صلوات الله عليهم . . أفلا يصحّ ذلك في بقيّة الله في أرضه ، وحجّته على عباده ، وحامل مواريث أنبيائه ، والمخلوق الوحيد الذي يحمل ريح السماء وروح الفرج للإنسانية؟!! أجل . . فالتاريخ الذي بين أيدينا يُنْبئنا أنّ كلّ إمام عايش عهود الظَّلمَة الذين ابتزُّوا حقّه ، كان لا يخرج من حبس إلاّ ليتلقّى أوامر حَجْر أو نفي ، أو لتنتاشه شَباةُ سيف ، أو
لِيُسقى سمّاً قتّالاً!!!
ومن منّا لا يعرف أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) مثلاً كانت تجتمع إليه ثقات شيعته في السجن؟! . وكان يُفتيهم في حلال الله وحرامه والقيد في رجليه ، والغِلُّ في يديه؟ ومع ذلك كانت تُجبى إليه الأموال ، وكانت عطاياه السخيّة للمؤمِّلين تفوق عطايا الملوك . . ومَن مِن الناس لم يسمع بصُرر الكاظم من الذهب والفضّة التي كان يُعِدُّها للعطايا؟! .
ونُلفت النظر إلى أنّ الفُتيا كانت ميسورةً في أشدّ أزمنة الضيق على الأئمّة ، لأنّ السلطة كانت تضيّق عليهم لتدفعهم عن مراتبهم ولتدفع الخطر عن مُلكها ، ثمّ تترك متنفّساً لشيعتهم وتغضُّ الطرف عن الاجتماع إليهم والاستماع منهم ، لتمتصَّ ما عند شيعتهم من النقمة والسخط . . ولكنَّ حال القائم(عليه السلام) تختلف عن حال آبائه بسبب أنّه الثاني عشر المرصود لمعاملة الظالمين بلا هوادة وبلا مهادنة وبلا حَلٍّ وسط . . فقد كان آبباؤه لا يزالون ماضين في تأثيل العقيدة ، وشرح القرآن وتبيانه ، وإقامة السنّة . أمّا هو فيأتي بسيف مخلوق لإحياء ما اندرس من ذلك ، والحاكمون له بالمرصاد منذ ولادته وفي كلّ حين ، إذ لو قد خرج لانتظروا قلب الأنظمة المستبدّة ، ولما كان الحاكم الذي يعرفه أرحم به من أيّ واحد من الرعايا يحاول نسف الدولة وزعزعة السلطان . .
فمنذ البدء : كانت محاصرة الشرطة لدار أبيه أثناء الحَمَل به ، ومراقبة نساء أبيه من القوابل ، وبثُّ الأرصاد والعيون حوله من عسكر أعدائه ، كانت كلّها سيوفاً مُصلتةً لاغتياله قبل أن يُبصر النور ، حتّى أنّهم حين فشلوا في الكشف عنه قبضوا على نساء أبيه وجواريه وحبسوهنّ أكثر من سنة بأمل أن تضع من كانت منهنَّ حُبلى كما رأيت ، بل ذهبوا في الغيِّ واتّبعوا فتوى فقيه سوء فحبسوا إحداهنّ سنتين كاملتين : بِوَهم أنّ أُمّ القائم المنتظر لادّ أن يكون حملها على غير المعتاد!!! فتأمّل .
وقيل في سبب ذلك : إنّ أُمّه لمّا سُئلت عن المولود أنكرته وادّعت حملاً بها لتُغطِّي على حال الصبيّ فأودعت في غياهب السجن! . ولولا أنّ الله تعالى شغلَ المسؤولين في ذلك العهد بثورة البصرة وصاحب الزنج ، لمّا أفلتت من أيديهم بعد ادّعائها الحمل المُتوهّم . .
فما هو مقدَّر له(عليه السلام) لم يكن ليجري على آبائه . فلم يكن من واجبهم المفروض من السماء أن يزيلوا دولةً ولا أن يحاربوا ظالماً . فإنّ تكليفهم بعد وقعة كربلاء المشجية المؤلمة التي أنذرت باندراس الدين وانحراف أُولي الأمر في المسلمين نحو الهرقليّة الجائرة ، إنّ تكليفهم صار منحصراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في إطار إعادة إتمام نشر الرسالة ، وإيضاح السنّة النبويّة ، وشرح الكتاب الكريم . . . ومع ذلك لم يُغْضِ عنهم الحكّام!!! فكيف إذا ظهر للناس وهو معروف بما هو فيه ، وعليه ، وله؟؟؟
فلا سبيل له إلاّ أن يتوارى كما شاء له الله ، وأن يُعِدّ العُدّة ويتحيّن الفرصة والإذن بالخروج ، ليخرج بسيف عدل يهدم ما بناه الظلم . .
والمؤاخذة في غيابه لا تقع كلّيةً إلاّ على من يَحول بينه وبين أداء رسالة عدل مثاليٍّ تشمل الإنسانية وتملأ الأرض قسطاً . . وسنرى حين ينادى باسمه بمختلف وسائل الإعلام ـ بدءاً بصوت جبرائيل(عليه السلام) وانتهاءً بأصوات المحطّات الإذاعية ـ سنرى كيف يحترق ذَنَبُ الظالمين ، وكيف يتهيّأون لقتاله ، وكيف يحاولون إطفاء نور الله ، بمعاقبة كلّ من يذكره أو يُدير لسانه باسمه! .
***
ولقائل أن يقول : إذا كان يغيب خوفاً على نفسه ، وكان الله عزّوجلّ سيُظهره بقوّة منه ، ويؤمِّنه على نفسه حين ظهوره ، ويُقَيِّض له أنصاره ومؤيّديه ، فلماذا أخَّر الله ذلك وجعل الغيبة بهذا الطول؟! .
والجواب على ذلك مكرّراً في أقوال النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) حين بيِّنوا أنّ غيبته محنة يكون فيها تمحيص المؤمنين ، وغربلة المكذِّبين به على مرّ العصور . .
ثمّ لقائل أن يقول : لِمَ لا يخرج ويَحول الله تعالى ـ نفسه ـ بينه وبين من يريدون قتله ما زال في عين الله وكَنَفَه؟! . وما زال مسلّحاً بعناية الله فإنّ الأمور تستقيم له بالقوّة ، ويصير الناس على خيرِ ممّا هم عليه الآن . . . ومعنى ذلك بطلان حجّته ، لأنّ خروجه هكذا يتنافى مع تكليفنا وتكليفه ، إذ تُصبح المسألة مسألة إله يُواقع الناس في ساحة حرب ليكونوا مؤمنين رغم أُنوفهم . . وبين المخلوقات التي غَبَرَت ، والتي ما تزال بيننا ، كثيرون من الأشرار الذين هم في دار امتحان ، فمن آمن منهم بأوامر الله ونواهيه نجا ، ومن داوم على سيرته هلك . . ثمّ هل نجد له أنصاراً صالحين بيننا اليوم؟! . أم ترى أن نُرجع سيرة اليهود مع موسى(عليه السلام) حين قالوا له : ((إذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، وتصبح القضية قضية سماء مئةً بالمئة ، لا دَخْلَ فيها للإنسان المكلّف بأن يختار لنفسه صفَّ الأخيار أو صفَّ الأشرار!!!
وَيْ وَيْ ، أيّها الإنسان! . ألا نعلم أنّ الله أقدر على إبادة الظالمين من الإمام؟ فلماذا أمهلهم وترك لهم سُبُل اختيار مصائرهم في دار الدُّنيا ، حتّى يُخرج لهم إماماً منقِذاً ، وهو أقدر على هدايتهم أو على البطش بهم!! . ذلك أنّ الله جلّ وعلا ، لا يعاجِل بالعقوبة ، ولا يقال له : لِمَ؟
وكيف؟ ومتى؟ فهو يُمهِل العباد رأفةً بهم ، ويبعث إليهم من يهديهم وينذرهم ، ويستنفد معهم جميع الوسائل التي تُصلح شأنهم لا يفعل إلاّ ما فيه الرحمة واللُّطف . فلا ينبغي أن تُطرح عليه الحلول . فأمرُه بغيبة الإمام ، كأمرِه بظهوره . وكلُّ أمر منهما واحدٌ من جملة ألطافه بالناس . . والناس ـ على كلّ حال ـ في قبضته ، لا يخرجون عن سلطانه ، ولا يهربون من فوق أرضه ولا من تحت سمائه ، ((فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) .
وقد يقول قائل بالأخير : لِمَ لم يبقَ ظاهراً ، ويعتزل الحكم الدنيوي كآبائه ، ويأمر بالقسط والعدل ، ويُصلح ما شاءت له ظروف الإصلاح في ظِلّ تأييد الله وتسديده ، إلى أن يسير بالإنسانية إلى طريق الهدى ولو في مدى ألف عام؟! .
ونقول لهذا : هكذا كان شأن آبائه جميعاً ، ولم يَمُت واحدٌ منهم إلاّ بالقتل أو السمّ ، ولم يستكمل واحدٌ منهم عمرهُ طبيعيّاً مع سلامة بُنياتهم وصفاء طينة أجسادهم الشريفة ، وقد سبق في علم الله تعالى أنّه لابدّ من خروجه بالسيف بعد أن يستحكم الظلم في أدمغة أهل العناد وقد رصده الله تعالى لأمره هذا . فتكليفه غير تكليف آبائه الذين أمروا بالقسط فماتوا بالقتل والسمّ لأنّهم أمروا به!!!
أمّا لماذا كان موجوداً ولا يسعى للحكم وردِّ الإنسانية عن عَمَهِها ، فهو إشكالٌ جرى بحقّ آبائه أيضاً . فإنّهم كانوا ظاهرين ولم يحكموا ولا سَعَوا للحكم الدنيويّ ، حتّى أنّ ولاية العهد للإمام الرضا(عليه السلام) قد قَبِلَها من المأمون بعد أن تهدّده بالقتل إن هو رفضها ، وأظهر للناس خلاف ما يُبطن ، بدليل أنّه أرضى عواطف الشيعة حين نَصَّبه وليّ عهد ، ثمّ أمره بالخروج إلى مرو في خراسان . . ثمّ لَحِقَ به إلى هناك . . . فدسَّ له السمّ في العنب وقفل راجعاً يبكيه!!!
فقد أزاحت آباءه الأغراض السياسية عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، فسكتوا ولم يحاربوا حرصاً على إكمال بيان السنّة وترسيخ العقيدة . اللّهمّ إلاّ ما كان من حُكم أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة . ذلك الحكم القصير المدّة ، الذي حارب فيه الناكثين والقاسطين والمارقين! . والناس ـ أبداً ـ ناكثون أو قاسطون أو مارقون أمسِ ، واليوم وفي كلّ زمان ، فلابدّ من حرب مجتاحة تأتي على الأخضر واليابس من العصبيات . . في آخر الزمان .
ويقول القائلون : لِمَ لا يظهر لأوليائه المأونين على معرفته فقط؟! والجواب قد مرَّ . لأنّه لو كان لَبَانَ ، وصار بحكم الظاهر ، فيُعْرَف مكانه ، ويُقضى بشأنه ما هو مقضيٌّ . . .
فغيابه تأديبٌ لأهل زمانه . . .
وهو إعلان صارخٌ بأنّهم ليسوا في وضع يصلح لأن يكونوا من الأُمناء ، فضلاً عن كونهم غير صالحين لِنُصرته . .
وغيابُه ـ بالتالي وكما قلنا ـ اتحانٌ يسأل عنه المُوالي كمُطالَب بعقيدته ليمحِّصَ الله المؤمنين الصابرين ويميّزهم عن غيرهم ، ويُسأل عنه المـُخالِفُ كمنكِر له ، أو كمتربّص به ، يقتله لو تسنّى له أن يظفر به .
فانتظار الوقت الناسب لا مفرّ منه ولو تعطّل كثير من الأحكام الشرعية ما زال الأمر امتحاناً ، ذلك لتتهيّأ النفوس لقبول قول مصلح يحكم الدُّنيا بالعدل بعد تجرّع غُصص الظلم ، فيمنحه أهل الدُّنيا الثقة إذا رأوا عدله . . ولا تذهبنّ بنا العاطفة كلّ مذهب ، فأمس قال مسلمٌ سفيه : إعدلْ يارسول الله!!! . قالها للنبيّ(صلى الله عليه وآله)بوّالٌ على عقبيه ، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي أرسى العدل السماويّ على الأرض! . فأجابه النبيُّ ، ذو الخُلق العظيم بقوله : ويلك ، إن لم أعدل أنا ، فمن يَعدل؟؟؟
أمّا القائم المهديّ عجّل الله فرجه فلا يرحم أمثال هذا السفيه الوقح على الله ورسوله . . لأنّه يعرف الناس بالتوسُّم . . فتصوّر كيف يكون حال المنافقين في دولة ينظر حاكمها إلى المنافق الذي يُبطِنُ النفاق فيأمر به فتُضرب عنقه على مرأى من الناس ودون سابق محاكمة كما سيتّضح لك في موضوع : يوم الخلاص من هذا الكتاب ، فيذهب عجبك .
ألا إنّ تَقَبُّل مثل هذا الحاكم لا تتحمّله العقول ببساطة وإذعان . . إلاّ إذا كان وعد الله ، وظهرَ الحقّ وزهق الباطل! .
أمّا متى يشاء الله الظهور؟ فإنّه سيشاؤه . .
فقد ربّى فرعون موسى تربيةً عزيزةً ـ تربية ملوك مُتربِّبين ـ دون أن يعرف شيئاً عن كُنهه ، بعد أن بقي نيِّفاً وعشرين سنة يشقُّ بطون الحبالى ليقتل موسى الذي يذهب به ، وبسلطانه ، وبربوبيّته . . والإمام القائم(عليه السلام) بيننا ، شاهدٌ علينا بما نحن فيه من كفر به وعناد لربِّه ; ونحن نراه فلا نعرفه ، تماماً كما كان موسى شاهداً على فرعون وهو يراه ولا يعرفه . . فكيف لا تَقبل أذهاننا وجوده ولو أكّده الدليل؟ بل كيف نذهب في النِّقمة على من يعترف بوجوده في حال هذه الغيبة الطويلة ، ونرميه بالسخف؟! .
فلابدّ إذن من هذه الغيبة التي حتَّمها الله وأجراها في سابق علمه ، وهي لطفٌ من الله تعالى بنا ، مثلما أنّ ظهوره ـ حين يظهر ـ سيكون ـ
أيضاً ـ لطفاً منه تعالى بنا . .
***********
منقول من كتاب قصص الانبياء
في ظل القائم المهدي عليه السلام
بقلم كامل سليمان جاء في بعض أجوبة الأئمّة(عليهم السلام)) :
الموضوع من صفحة (128) الى صفحة (136)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كان في خاطري يجول سؤال يحيرني وهوما الحكمة من غيابه؟
من المؤكَّد أنّه لم يستتر شخصه عن أبصار معاصريه إلاّ بتقدير من الله العزيز . . والله عزّ اسمه ، لا ولن يستشير أحداً من خلقه فيمايفعله ، لأنّه حكيم ((لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . . فلأمر ما ، لا تدركه عقولنا ببداهة ، كانت الغيبة ، وكانت عن إرادة حكيم لا شكّ أنّ في تقديره حكمةً لا تنالها الأفهام القاصرة ، ولا تتناول سرّها الأذهان المحدودة ضمن هذه الجمجمة العظميّة الصُّلبة ، وسينكشف سرُّها يوم الظهور المبارك ، فنقول للؤمن :
تَعَبَّدْ بها أصلاً من أُصول عقيدتك ، كالمسح على الرأس والقَدَمين حين الوضوء ، فلا هو غسلٌ فنظافة ، ولا هو واضحُ السبب كبقيّة الأجزاء . . فارْضَ بما في يديك من البراهين المأثورة عن طرق السماء التي أنزلت العقيدة بأصولها وجزئيّاتها كما هي ودون مشاركة الله في علمه . . ونقول للذي يعتمد الفكر ، ويريد أن يحلّل أسباب الغيبة زيادة عمّا سبق وعمّا يلحق :
فلسِفْها برأيك . . كيف شاء فهمُك وإدراكك ، وبالشكل الذي تطمئن إليه نفسك ، ويركن إليه عقلك ويتيسّر به اقتناعك . .
ولكن إيّاك وتعجُّل الأمر والبتّ . . وإيّاك وإنكارها والقطع قبل أن تنظر في سير السابقين والغابرين! فإنّ فيما مضى دروساً جدّ مفيدة في تحقيق ما يقع حتّى لكأنَّ الذي يضرب صفحاً عن الماضي ويُنكره ويتنكَّر إليه ، يُعمِل فكره في المجهول ، ويتخبّط في سُراه كما تتخبّط الناقة العشواء في الليلة الظلماء . . فَقِسْ يومك على البارحة . . واعرض خطة سيرك على محكِّ الفكر المستنير الذي يستفيد من سِيَرِ الماضين ، وخذ درساً عن غيرك مستفيداً ممّن تورّط فهلَك ، وممّن أحكَمَ فنجح ، وزد على ذلك من مبتدعات ذهنك الخلاّق ما شاءت لك عبقريتك الفذّة . . . ثمّ نقول لمن يطلب المثَل :
أَوَلَمْ يستتر نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات يخاف على نفسه مَرَدَة قريش وجبابرتها ، يحميه عمّه أبو طالب ، شيخ الأبطح وسيِّد الهاشميّين(عليه السلام)؟! .
أوَلَم يستتر قبلها في غار حِراء ، محافظةً على نفسه ورسالته ، وهرباً ممّن كان يؤذيه في عبادته ، ويقف في سبيل دعوته وقوف وقاحة وصلَف ، حين قلّة المؤمنين بدعوته وفقدان الأنصار؟! .
ثمّ لماذا استتر إدريس(عليه السلام) عشرين سنة خوفاً من أُمّته الضالّة التي رفضت دعوة الحقّ وناصبت رسول الله إليها العداء؟! . .
ولماذا قال موسى (عليه السلام) لقومه : ((فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ) ، لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل حين سنحت لي الفرصة؟! .
فالجواب ـ مبدئيّاً ـ هو علّة الغيبة طالت أم قصُرت ، أي الخوف بعناه الذي ذكرناه آنفاً ، لا خوف واحد عاديّ من القتل ، بل خوف المهدي(عليه السلام) الذي صطفاه الله حجّةً على كلّ ظالم يعرف الحقّ ويحيد عنه ويحكم بغيره ، ويعرف الظلم ويفعله ، والذي ادَّخره ربّه ليمحق الظلم ، ويقيم العدل حين تتمّ الموازين التي قدَّرها ربّه لظهوره ، وحين تقتضي الحكمة تأديب الطواغيت من الخلق الذين لا يعملون بحقٍّ ولا يمتنعون عن باطل! .
لهذا صدع النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذكر صفاته وعلاماته ، منوِّهاً إلى أنّ الله تعالى قد أخفى يوم ظهوره ، ليؤمن مَن آمن عن بيِّنة يُمْتَحنُ بالتصديق بها ، ويهلك من هلك عن بيِّنة كانت عنده غير كافية للتصديق ، لأنّه هو ذاته ، وعلاماته وصفاته ، قد بلغتْ سمعَ الناس ، سائر الناس ، من حاكمين ومحكومين . . فمن يحمل نفسه على الإيمان بأمر الله وقول رسوله ويصدِّق بوجود إمام غائب منتَظر يكنْ له أجر المؤمنين بالغيب ، ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين اليوم ، كما كان غنيّاً عمّن سبقنا من الأُمم التي ذاقت من العذاب ألواناً وألواناً بالأمس القريب أو البعيد في أغوار التاريخ . .
هذا ، والأمّة الإسلامية لا تعدو بشأنه خُطى الأمم السابقة ـ كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ إذ كلُّ نبيّ قد توارى عن قومه لمّا اقتضت مصلحة دعوته ذلك : من إبراهيم إلى إدريس فصالح فيوسف فموسى ، فعيسى فمحمّد صلوات الله عليهم . . أفلا يصحّ ذلك في بقيّة الله في أرضه ، وحجّته على عباده ، وحامل مواريث أنبيائه ، والمخلوق الوحيد الذي يحمل ريح السماء وروح الفرج للإنسانية؟!! أجل . . فالتاريخ الذي بين أيدينا يُنْبئنا أنّ كلّ إمام عايش عهود الظَّلمَة الذين ابتزُّوا حقّه ، كان لا يخرج من حبس إلاّ ليتلقّى أوامر حَجْر أو نفي ، أو لتنتاشه شَباةُ سيف ، أو
لِيُسقى سمّاً قتّالاً!!!
ومن منّا لا يعرف أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) مثلاً كانت تجتمع إليه ثقات شيعته في السجن؟! . وكان يُفتيهم في حلال الله وحرامه والقيد في رجليه ، والغِلُّ في يديه؟ ومع ذلك كانت تُجبى إليه الأموال ، وكانت عطاياه السخيّة للمؤمِّلين تفوق عطايا الملوك . . ومَن مِن الناس لم يسمع بصُرر الكاظم من الذهب والفضّة التي كان يُعِدُّها للعطايا؟! .
ونُلفت النظر إلى أنّ الفُتيا كانت ميسورةً في أشدّ أزمنة الضيق على الأئمّة ، لأنّ السلطة كانت تضيّق عليهم لتدفعهم عن مراتبهم ولتدفع الخطر عن مُلكها ، ثمّ تترك متنفّساً لشيعتهم وتغضُّ الطرف عن الاجتماع إليهم والاستماع منهم ، لتمتصَّ ما عند شيعتهم من النقمة والسخط . . ولكنَّ حال القائم(عليه السلام) تختلف عن حال آبائه بسبب أنّه الثاني عشر المرصود لمعاملة الظالمين بلا هوادة وبلا مهادنة وبلا حَلٍّ وسط . . فقد كان آبباؤه لا يزالون ماضين في تأثيل العقيدة ، وشرح القرآن وتبيانه ، وإقامة السنّة . أمّا هو فيأتي بسيف مخلوق لإحياء ما اندرس من ذلك ، والحاكمون له بالمرصاد منذ ولادته وفي كلّ حين ، إذ لو قد خرج لانتظروا قلب الأنظمة المستبدّة ، ولما كان الحاكم الذي يعرفه أرحم به من أيّ واحد من الرعايا يحاول نسف الدولة وزعزعة السلطان . .
فمنذ البدء : كانت محاصرة الشرطة لدار أبيه أثناء الحَمَل به ، ومراقبة نساء أبيه من القوابل ، وبثُّ الأرصاد والعيون حوله من عسكر أعدائه ، كانت كلّها سيوفاً مُصلتةً لاغتياله قبل أن يُبصر النور ، حتّى أنّهم حين فشلوا في الكشف عنه قبضوا على نساء أبيه وجواريه وحبسوهنّ أكثر من سنة بأمل أن تضع من كانت منهنَّ حُبلى كما رأيت ، بل ذهبوا في الغيِّ واتّبعوا فتوى فقيه سوء فحبسوا إحداهنّ سنتين كاملتين : بِوَهم أنّ أُمّ القائم المنتظر لادّ أن يكون حملها على غير المعتاد!!! فتأمّل .
وقيل في سبب ذلك : إنّ أُمّه لمّا سُئلت عن المولود أنكرته وادّعت حملاً بها لتُغطِّي على حال الصبيّ فأودعت في غياهب السجن! . ولولا أنّ الله تعالى شغلَ المسؤولين في ذلك العهد بثورة البصرة وصاحب الزنج ، لمّا أفلتت من أيديهم بعد ادّعائها الحمل المُتوهّم . .
فما هو مقدَّر له(عليه السلام) لم يكن ليجري على آبائه . فلم يكن من واجبهم المفروض من السماء أن يزيلوا دولةً ولا أن يحاربوا ظالماً . فإنّ تكليفهم بعد وقعة كربلاء المشجية المؤلمة التي أنذرت باندراس الدين وانحراف أُولي الأمر في المسلمين نحو الهرقليّة الجائرة ، إنّ تكليفهم صار منحصراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في إطار إعادة إتمام نشر الرسالة ، وإيضاح السنّة النبويّة ، وشرح الكتاب الكريم . . . ومع ذلك لم يُغْضِ عنهم الحكّام!!! فكيف إذا ظهر للناس وهو معروف بما هو فيه ، وعليه ، وله؟؟؟
فلا سبيل له إلاّ أن يتوارى كما شاء له الله ، وأن يُعِدّ العُدّة ويتحيّن الفرصة والإذن بالخروج ، ليخرج بسيف عدل يهدم ما بناه الظلم . .
والمؤاخذة في غيابه لا تقع كلّيةً إلاّ على من يَحول بينه وبين أداء رسالة عدل مثاليٍّ تشمل الإنسانية وتملأ الأرض قسطاً . . وسنرى حين ينادى باسمه بمختلف وسائل الإعلام ـ بدءاً بصوت جبرائيل(عليه السلام) وانتهاءً بأصوات المحطّات الإذاعية ـ سنرى كيف يحترق ذَنَبُ الظالمين ، وكيف يتهيّأون لقتاله ، وكيف يحاولون إطفاء نور الله ، بمعاقبة كلّ من يذكره أو يُدير لسانه باسمه! .
***
ولقائل أن يقول : إذا كان يغيب خوفاً على نفسه ، وكان الله عزّوجلّ سيُظهره بقوّة منه ، ويؤمِّنه على نفسه حين ظهوره ، ويُقَيِّض له أنصاره ومؤيّديه ، فلماذا أخَّر الله ذلك وجعل الغيبة بهذا الطول؟! .
والجواب على ذلك مكرّراً في أقوال النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) حين بيِّنوا أنّ غيبته محنة يكون فيها تمحيص المؤمنين ، وغربلة المكذِّبين به على مرّ العصور . .
ثمّ لقائل أن يقول : لِمَ لا يخرج ويَحول الله تعالى ـ نفسه ـ بينه وبين من يريدون قتله ما زال في عين الله وكَنَفَه؟! . وما زال مسلّحاً بعناية الله فإنّ الأمور تستقيم له بالقوّة ، ويصير الناس على خيرِ ممّا هم عليه الآن . . . ومعنى ذلك بطلان حجّته ، لأنّ خروجه هكذا يتنافى مع تكليفنا وتكليفه ، إذ تُصبح المسألة مسألة إله يُواقع الناس في ساحة حرب ليكونوا مؤمنين رغم أُنوفهم . . وبين المخلوقات التي غَبَرَت ، والتي ما تزال بيننا ، كثيرون من الأشرار الذين هم في دار امتحان ، فمن آمن منهم بأوامر الله ونواهيه نجا ، ومن داوم على سيرته هلك . . ثمّ هل نجد له أنصاراً صالحين بيننا اليوم؟! . أم ترى أن نُرجع سيرة اليهود مع موسى(عليه السلام) حين قالوا له : ((إذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، وتصبح القضية قضية سماء مئةً بالمئة ، لا دَخْلَ فيها للإنسان المكلّف بأن يختار لنفسه صفَّ الأخيار أو صفَّ الأشرار!!!
وَيْ وَيْ ، أيّها الإنسان! . ألا نعلم أنّ الله أقدر على إبادة الظالمين من الإمام؟ فلماذا أمهلهم وترك لهم سُبُل اختيار مصائرهم في دار الدُّنيا ، حتّى يُخرج لهم إماماً منقِذاً ، وهو أقدر على هدايتهم أو على البطش بهم!! . ذلك أنّ الله جلّ وعلا ، لا يعاجِل بالعقوبة ، ولا يقال له : لِمَ؟
وكيف؟ ومتى؟ فهو يُمهِل العباد رأفةً بهم ، ويبعث إليهم من يهديهم وينذرهم ، ويستنفد معهم جميع الوسائل التي تُصلح شأنهم لا يفعل إلاّ ما فيه الرحمة واللُّطف . فلا ينبغي أن تُطرح عليه الحلول . فأمرُه بغيبة الإمام ، كأمرِه بظهوره . وكلُّ أمر منهما واحدٌ من جملة ألطافه بالناس . . والناس ـ على كلّ حال ـ في قبضته ، لا يخرجون عن سلطانه ، ولا يهربون من فوق أرضه ولا من تحت سمائه ، ((فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) .
وقد يقول قائل بالأخير : لِمَ لم يبقَ ظاهراً ، ويعتزل الحكم الدنيوي كآبائه ، ويأمر بالقسط والعدل ، ويُصلح ما شاءت له ظروف الإصلاح في ظِلّ تأييد الله وتسديده ، إلى أن يسير بالإنسانية إلى طريق الهدى ولو في مدى ألف عام؟! .
ونقول لهذا : هكذا كان شأن آبائه جميعاً ، ولم يَمُت واحدٌ منهم إلاّ بالقتل أو السمّ ، ولم يستكمل واحدٌ منهم عمرهُ طبيعيّاً مع سلامة بُنياتهم وصفاء طينة أجسادهم الشريفة ، وقد سبق في علم الله تعالى أنّه لابدّ من خروجه بالسيف بعد أن يستحكم الظلم في أدمغة أهل العناد وقد رصده الله تعالى لأمره هذا . فتكليفه غير تكليف آبائه الذين أمروا بالقسط فماتوا بالقتل والسمّ لأنّهم أمروا به!!!
أمّا لماذا كان موجوداً ولا يسعى للحكم وردِّ الإنسانية عن عَمَهِها ، فهو إشكالٌ جرى بحقّ آبائه أيضاً . فإنّهم كانوا ظاهرين ولم يحكموا ولا سَعَوا للحكم الدنيويّ ، حتّى أنّ ولاية العهد للإمام الرضا(عليه السلام) قد قَبِلَها من المأمون بعد أن تهدّده بالقتل إن هو رفضها ، وأظهر للناس خلاف ما يُبطن ، بدليل أنّه أرضى عواطف الشيعة حين نَصَّبه وليّ عهد ، ثمّ أمره بالخروج إلى مرو في خراسان . . ثمّ لَحِقَ به إلى هناك . . . فدسَّ له السمّ في العنب وقفل راجعاً يبكيه!!!
فقد أزاحت آباءه الأغراض السياسية عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، فسكتوا ولم يحاربوا حرصاً على إكمال بيان السنّة وترسيخ العقيدة . اللّهمّ إلاّ ما كان من حُكم أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة . ذلك الحكم القصير المدّة ، الذي حارب فيه الناكثين والقاسطين والمارقين! . والناس ـ أبداً ـ ناكثون أو قاسطون أو مارقون أمسِ ، واليوم وفي كلّ زمان ، فلابدّ من حرب مجتاحة تأتي على الأخضر واليابس من العصبيات . . في آخر الزمان .
ويقول القائلون : لِمَ لا يظهر لأوليائه المأونين على معرفته فقط؟! والجواب قد مرَّ . لأنّه لو كان لَبَانَ ، وصار بحكم الظاهر ، فيُعْرَف مكانه ، ويُقضى بشأنه ما هو مقضيٌّ . . .
فغيابه تأديبٌ لأهل زمانه . . .
وهو إعلان صارخٌ بأنّهم ليسوا في وضع يصلح لأن يكونوا من الأُمناء ، فضلاً عن كونهم غير صالحين لِنُصرته . .
وغيابُه ـ بالتالي وكما قلنا ـ اتحانٌ يسأل عنه المُوالي كمُطالَب بعقيدته ليمحِّصَ الله المؤمنين الصابرين ويميّزهم عن غيرهم ، ويُسأل عنه المـُخالِفُ كمنكِر له ، أو كمتربّص به ، يقتله لو تسنّى له أن يظفر به .
فانتظار الوقت الناسب لا مفرّ منه ولو تعطّل كثير من الأحكام الشرعية ما زال الأمر امتحاناً ، ذلك لتتهيّأ النفوس لقبول قول مصلح يحكم الدُّنيا بالعدل بعد تجرّع غُصص الظلم ، فيمنحه أهل الدُّنيا الثقة إذا رأوا عدله . . ولا تذهبنّ بنا العاطفة كلّ مذهب ، فأمس قال مسلمٌ سفيه : إعدلْ يارسول الله!!! . قالها للنبيّ(صلى الله عليه وآله)بوّالٌ على عقبيه ، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي أرسى العدل السماويّ على الأرض! . فأجابه النبيُّ ، ذو الخُلق العظيم بقوله : ويلك ، إن لم أعدل أنا ، فمن يَعدل؟؟؟
أمّا القائم المهديّ عجّل الله فرجه فلا يرحم أمثال هذا السفيه الوقح على الله ورسوله . . لأنّه يعرف الناس بالتوسُّم . . فتصوّر كيف يكون حال المنافقين في دولة ينظر حاكمها إلى المنافق الذي يُبطِنُ النفاق فيأمر به فتُضرب عنقه على مرأى من الناس ودون سابق محاكمة كما سيتّضح لك في موضوع : يوم الخلاص من هذا الكتاب ، فيذهب عجبك .
ألا إنّ تَقَبُّل مثل هذا الحاكم لا تتحمّله العقول ببساطة وإذعان . . إلاّ إذا كان وعد الله ، وظهرَ الحقّ وزهق الباطل! .
أمّا متى يشاء الله الظهور؟ فإنّه سيشاؤه . .
فقد ربّى فرعون موسى تربيةً عزيزةً ـ تربية ملوك مُتربِّبين ـ دون أن يعرف شيئاً عن كُنهه ، بعد أن بقي نيِّفاً وعشرين سنة يشقُّ بطون الحبالى ليقتل موسى الذي يذهب به ، وبسلطانه ، وبربوبيّته . . والإمام القائم(عليه السلام) بيننا ، شاهدٌ علينا بما نحن فيه من كفر به وعناد لربِّه ; ونحن نراه فلا نعرفه ، تماماً كما كان موسى شاهداً على فرعون وهو يراه ولا يعرفه . . فكيف لا تَقبل أذهاننا وجوده ولو أكّده الدليل؟ بل كيف نذهب في النِّقمة على من يعترف بوجوده في حال هذه الغيبة الطويلة ، ونرميه بالسخف؟! .
فلابدّ إذن من هذه الغيبة التي حتَّمها الله وأجراها في سابق علمه ، وهي لطفٌ من الله تعالى بنا ، مثلما أنّ ظهوره ـ حين يظهر ـ سيكون ـ
أيضاً ـ لطفاً منه تعالى بنا . .
***********
منقول من كتاب قصص الانبياء
في ظل القائم المهدي عليه السلام
بقلم كامل سليمان جاء في بعض أجوبة الأئمّة(عليهم السلام)) :
الموضوع من صفحة (128) الى صفحة (136)