المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحوث حول النفاق ج1



ابن الشهيد
22-08-2004, 01:48 AM
بحوث حول النفاق
ظهور النفاق وأسبابه : حينما تندلع الثورة في منطقة معينة ، فإن مصالح الفئة الظالمة الناهبة المستبدة تتعرض للخطر حتما ، خاصة إذا كانت الثورة مثل ثورة الإسلام تقوم على أساس الحق والعدالة . هذه الفئة تسعى للإطاحة بالثورة عن طريق السخرية و الإستهزاء أولا ، ثم بالإستفادة من القوة المسلحة والضغوط الإقتصادية ، والتضليل الإجتماعي .
وحين تبدو في الأفق علامات انتصار الثورة ، تعمد فئة من المعارضين إلى تغيير مواقفها ، فتستسلم ظاهريا ، وتتحول في الواقع إلى مجموعة معارضة سرية .
هؤلاء يسمون (( منافقين )) لانطوائهم على شخصيتين مختلفتين ( المنافق مشتقة من النفق : وهو الطريق النافذ في الأرض المحفور فيها للإستتار أو الفرار ) ، هم أخطر أعداء الثورة ، لأن مواقفهم غير واضحة ، والأمة الثائرة لا تستطيع أن تعرفهم وتطردهم من صفوفها ، لذلك يتغلغلون في صفوف الناس المخلصين الطيبين ، ويتسلمون أحيانا المناصب الحساسة في المجتمع . ثورة الإسلام في عصرها الأول واجهت مثل هذه المجموعة . فبعد الهجرة المباركة وضعت أول لبنة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة ، وازداد الكيان الإسلامي الوليد قوة بعد انتصار المسلمين في غزوة ((بدر )) . وهذه الإنتصارات عرضت للخطر مصالح زعماء المدينة ، وخاصة اليهود منهم ، لأن اليهود كانوا يتمتعون في المدينة بمكانة ثقافية واقتصادية مرموقة . وهؤلاء أنفسهم كانوا يبشرون قبل البعثة النبوية المباركة بظهور النبي .
كما كان في المدينة أفراد مرشحون للزعامة والملكية ، ولكن الهجرة النبوية بددت آمالهم هؤلاء المتضررون من الدعوة رأوا أن الجماهير تندفع نحوا الإسلام ، وتنقاد إلى النبي الخاتم (ص) حتى عمت الدعوة ذويهم وأقاربهم . وبعد مدة من الدين الجديد ، لم يروا بدا من الإستسلام والتظاهر بالإسلام ، تجنبا لمزيد من الأخطار الإقتصادية و الإجتماعية وحذرا من الإبادة ، خاصة وأن قوة العربي تتمثل في قبيلته ، والقبائل أسلمت للدين الجديد لكن هؤلاء راحوا يخطوون خفية للإطاحة بالإسلام . بعبارة موجزة . إن ظاهرة ( النفاق ) في المجتمع ، تعود إلى عامل انتصار الثورة وسيطرة الثورية على المجتمع ، وإلى انهزام المعارضين واضطرارهم إلى الإستسلام أمام الدعوة .
سعة معنى النفاق : النفاق في مفهومه الخاص – كما ذكرنا – صفة أولئك الذين يظهرون الإسلام ، ويبطنون الكفر . لكنة النفاق له معنى عام واسع يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن ، وكل افتراق بين القول والعمل . من هنا قد يوجد في قلب المؤمن بعض ما نسميه (( خيوط النفاق )). ففي الحديث النبوي : (( ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف )).
الحديث لا يدور هنا طبعا عن المنافق بالمعنى الخاص ، بل عن الذي في قلبه خيوط من النفاق ، تظهر على سلوكه بأشكال مختلفة ، وخاصة بشكل رياء ، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام (( الرياء شجرة لا تثمر إلا الشرك الخفي ، أصلها النفاق )).
وفي نهج البلاغة نص رائع في وصف المنافقين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول فيه : (( أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحذركم أهل النفاق ،فأنهم الضالون المضلون ، والزالون المزلون ، يتلونون ألوانا ، ويفتنون إفتناناً ، ويعمدونكم بكل عماد ، ويرصدونكم بكل مرصاد ، قلوبهم دوية وصفاحهم نقية . يمشون الخفاء ، ويدبون الضراء وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء ، حسدة الرخاء ، ومؤكدو البلاء ، ومقنوط الرجاء ، لهم بكل طريق صريع وإلى كل شجو دموع يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء : إن سألوا الحفوا ، وإن عذلوا كشفوا .....)).
المصدر : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل