مشاهدة النسخة كاملة : *&@* صوم الوصال *@&* محاضرات يومية *&@*
يا علي مدد
17-10-2004, 05:58 PM
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
البداية:لعل القارئ يشتبه عنوان المحاضرات بإسم ( صوم الوصال )، فيظن أن المقصود منه هو ذاك الصوم المحرّم الذي ذكره الفقهاء الأعاظم في باب الصوم، ولكن المقصود من صوم الوصال ههنا هو ذاك الصوم الذي يصومه أهل المعنى والمعرفة ويحصل لهم منه إتصال ووصال ومراودة مع المحبوب الأوحد.
نسأل الله أن يوفق مريدي طريق الولاية والمعرفة الإستفادة من هذه النفحات....
وتتضمن هذه المحاضرات سبعة فصول، سميّ كلّ فصل منها بالوصال، وفي نهاية كل وصال ذُكرت بعض المراودات وهي بمثابة لطائف معرفية تكشف عن بعض الأسرار الولائية والتوحيدية.
الوصال الأول
في رحمة شهر رمضان الواسعة العامة...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين أبا الزهراء وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومخالفيهم ومبغضيهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم من الآن إلى قيام يوم الدين، آمين رب العالمين.
قال الله تعالى في محكم كتابه:
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [سورة البقرة 185]
ويقول تعالى في موضع آخر:
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [سورة البقرة 183]
ويقول عزّ من قائل في موضع ثالث:
( بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) * ليلة القدر خير من ألف شهر (1) * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) * سلام هي حتى مطلع الفجر (5) [سورة القدر]
خطبة إستقبال شهر رمضان:
وقد ورد في خطبة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في إستقبال شهر رمضان الكثير من المعاني التي تشير إلى صفات الخير والبركة والرحمة لهذا الشهر المبارك:
> عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبنا ذات يوم فقال أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة.
شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الايام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات.
هو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاكم فيه مستجاب فاسئلوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم.
واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه وتصدقوا على فقراءكم ومساكينكم.
ووقروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم واخفظوا ألسنتكم وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم وتوبوا إلى الله من ذنوبكم وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم فإنها أفضل الساعات ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه ويلبيهم إذا نادوه ويعطيهم إذا سألوه ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيها الناس إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم وظهوركم ثقيلة من أو زاركم فخففوا عنها بطول سجودكم.
واعلموا إن الله تعالى ذكره أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه.
فقيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وليس كلنا يقدر على ذلك فقال صلى الله عليه وآله اتقوا النار ولو بشق تمرة اتقوا النار ولو بشربة من ماء.
أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الاقدام ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوما يلقاه ومن وصل فيه رحمة وصله الله رحمته يوم يلقاه ومن قطع فيه رحمة قطع الله عنه ورحمته يوم يلقاه ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له برائة من النار ومن أدى فيه فرضا كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ومن أكثر فيه من الصلاة على ثقل الله ميزانه يوم تخفف الموازين ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.
أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسئلوا ربكم إن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران مغلقة فاسئلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم والشياطين مغلولة فاسئلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم.
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقمت وقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما افضل الاعمال في هذا الشهر فقال يا أبا الحسن ( عليه السلام ) أفضل الاعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله ثم بكى.
فقلت ما يبكيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا علي ( عليه السلام ) أبكى لما يستحل منك في هذا الشهر كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الاولين والاخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك فخضبت منها لحيتك.
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقلت يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني فقال صلى الله عليه وآله في سلامة من دينك.
ثم قال يا علي ( عليه السلام ) من قتلك فقد قتلني ومن أبغضك فقد أبغضني ومن سبك فقد سبني لانك مني كنفسي روحك من روحي وطينتك من طينتي.
إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك واصطفاني وإياك واختارني في النبوة واختارك في الامامة فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي يا علي أنت وصيي وأبو ولدي وزوج ابنتي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد موتي أمرك أمري ونهيك نهيي.
أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية إنك لحجة الله على خلقه وأمينه على سره وخليفته على عباده.< [ مشارق الشموس؛ المحقق الخوانساري الجزاء الثاني ص 441-442.
عموم رحمة شهر رمضان:شهر رمضان هو شهر الخير والبركة والرحمة الواسعة وقد جعله الله تعالى سفرةً شاملةً لكل الناس ولا يوجد مثل هذه السفرة في أي ظرفٍ وجودي، وهذه الرحمة الإلهية الواسعة ليْست للمؤمنين الصائمين، ولا هي للمسلمين فحسب، بلْ هي لكل الناس.
> أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة... أنفاسكم فيه تسبيح ...<
فببركة هذا الشهر تتنزّل هذه الرحمة الإلهية العامّة، وتنال كلّ الناس من المسلمين والنصارى واليهود والسيخ والزرداشتيين وغيرهم، فهذه السفرة الإلهية ممدودةٌ لكل الناس بلا إستثناء.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم > أيها الناس < يدل على أن الخطاب الوارد بخصوص شهر رمضان خطابٌ عامٌ ولا تخصيص فيه لطائفةٍ دون أخرى، ثم أن أكثر الناس إستفادةً في هذا الشهر هم العاصون الذين لا رجاء لهم إلا بإشارة الله لهم.
كان هناك شخصٌ مبتلى بشرب الخمر بنحوٍ مفرطٍ؛ وعندما كانت أيام محرم، حضر مجلس عزاء للإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فسمع أنه عندما أُدخل رأس سيد الأمراء عليه السلام إلى قصر الإمارة في الكوفة على عبيد الله زياد، كان ذلك الملعون مشغولاً بشرب الخمر؛ ومن تلك اللحظة عاهد هذا الشخص الإمام الحسين عليه السلام أن لا يشرب الخمر طول عمره، لأن عدوه كان يشرب الخمر؛ وبالفعل إنقطع عنه بعد أن كان معتاداً على شربه خمساً وأربعين سنة.
ومن ثم، صارت لهذا الشخص عنايةٌ خاصةٌ من الله، إذ أن الله أعطاه كرامة شفاء الناس؛ وكان مستجاب الدعاء.
وهذا مثال على التحول الجوهري في تزكية النفس وتهذيبها الناشئ من محبة أهل البيت عليهم السلام؛ فالشيعي الموالي المحب لأهل البيت عليهم السلام لا يمكنه أن يقوم بما قام به أعدائهم، فعدم المروءة على سبيل المثال لا وجود لها صحيفة الشيعي بسبب أن الأول والثاني كانا بلا مروءة.
يتبع بمحاضرات يومية ثانية إن شاء الله غداً
أخوكم
يـــــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
18-10-2004, 06:46 PM
....المحاضرة الثانية ....
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
الإنتقال من الإستفادة العامة إلى الإستفادة الخاصة:
قد يأتي شحصٌ ويقصد صاحب السفرة لا لأجل الطعام الموضوع على السفرة بل لأجل نفس صاحب السفرة؛ وهذا الشخص هو مقدم على كثيرٍ من الموجودين عليها، لأنه لم يأت لأجل الطعام، بل أتى لأجل صاحب البيت وصاحب الطعام؛ ولو تكرر مجيء هذا الشخص كل عامٍ من أيام شهر رمضان، فسوف تصبح له صداقةٌ ومودةٌ مع صاحب السفرة بخلاف من يأتي كل عام لأجل نفس السفرة فإنه يبقى ضيفاً على الدوام.
وأنت لو دققت النظر لوجدت أن خطاب الله سبحانه وتعالى الناس يختلف عن خطابه مع الملتزمين؛ أنت تجد أن خطاب الله مع الناس خصوصاً مع من أصبح من أهل المودة له لأنه كان يتردد عليه كل سنة لأجله لا لأجل السفرة – يكون بلسان المودة؛ وأما خطاب المؤمنين الملتزمين ففيه نحوٌ من الجدية والتكلف خاصةً مع من يظن نفسه يتقرب إلى الله بعمله؛ ثم إنه مع ترقي حالة المودة بين الله عز وجل وبين هذا الشخص تأخذه حالةٌ من الأنس والممازجة مع صاحب السفرة فيعشق صاحب السفرة ولو لم يؤد شيئاً مما يؤديه المؤمنون، وعلى إثر توجهه إلى صاحب السفرة يشّم النسيم الذي جعله صاحب السفرة محيطاً بها، وهذا النسيم هو نسيم ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ونسيم رحمة الله الواسعة وهي وجود الإمام الحسين عليه السلام، فمن الطبيعي عند ذلك أن يكون نفسه فيه تسبيحٌ.
ولسان حال الخطاب الإلهي له:
يا عبدي الذي ليس له من الصلاة والصيام شيء، يكفي أن تكون حاضراً في هذا الجو، حيث نَفَسك فيه تسبيحٌ ونومك فيه عبادةٌ ولو كان طاهره نوم غفلة.
ولكن هل تعلم لماذا يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : < أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة>؟.
لأنه بعبادتك تخرّب كل شيء، وقد لا تصدق ذلك، ولكن سوف تصل يوماً ما إلى معاينة هذا الأمر، فإن الإنسان قد يظن أن بإمكانه بعبادته أن يؤدي حق الله تعالى أو أن يستنزل الرحمة الإلهية عليه، ولكن الواقع أن الرحمة الإلهية هي بنفسها نازلةٌ في هذا الشهر ولا تحتاج إلى أي جهدٍ من العبد، بل إن أيّ جهدٍ متوهمٍ من العبد يؤدي إلى عدم رؤية الرحمة الإلهية على ما هي عليها لأن الإنسان يخلط هذه الرحمة الإلهية النازلة من دون قيد بأعماله المقيدة من ألف وجهٍ وجهةٍ.
ولكنْ هل هذا يعني أنْ لا يؤدي العبادات الشرعية من الصلاة والصيام وغيرها؟
كلاّ، لا بد أن تؤدي كل العبادات الشرعية وتلتزم بكل التكاليف الإلهية على أتم وجهٍ؛ ولكن لا لتتقرب إلى الله تعالى بهذه الأعمال التي ليس من شأنها أن تقرب أصلاً إلى الحق تعالى لأنها ليس فيها قابلية القرب، بل حتى يُكتب لك في صحيفتك أنك مفسدٌ؛ وهل يوجد شيء أشد فساداً من أنْ تعتقد أنه يمكنك أنْ تتقرب إلى الله عز وجل بعملك؟ فهذه الأعمال هي سند الإفساد لك؛ فإذا ظهر الفساد في وجودك ورأيت هذا الفساد والمعصية في وجودك؛ فعند ذلك تظهر الرحمة الإلهية المطلقة التي تنقذك مما كنت فيه من الضلال حيث كنت تعتقد لنفسك شأناً يمكن أن يقربك من الله تعالى.
ولكن بعض الجهلة قد لا يقبل هذا الكلام وذلك لأن أنانيته قد وصلت إلى مرحلةٍ يظن فيها أن أعماله الصادرة من وجوده هي التي تؤدي عنه وتحقق له المقامات عند الله تعالى، والحال أن الأمر ليس كذلك، فأين التراب ورب الأرباب!
وإدراك هذا المطلب يحتاج إلى عنايةٍ خاصةٍ من الله حتى يخلص الإنسان من أنانيته، والله الهادي.
من هنا لو قايسنا بين من يدعي أنه يصلي ويصوم ويقوم بما يقوم به من الأعمال والعبادات ليتقرب به إلى الله وبين من يعترف بذنبه في يومه وليله ويقول إنَّه لم يتسنّ له أنْ يأنس بدعاء الله ولا بأي خلوة خاصةً معه تعالى.
يقول الإمام زين العابدين عليه السلام:
< أللهم إني كلما قلت قد تهيأت وتعبأت وقمت للصلاة بين يديك وناجيتك ألقيت عليّ نعاساً إذا أنا صليت وسلبتني مناجاتك إذا أنا ناجيت، ومالي كلما قلت قد صلحت سريرتي وقرب من مجالس التوابين مجلسي عرضت لي بلية أزالت قدمي ...> وهذا من دعاء أبي الثمالي للإمام زين العابدين عليه السلام،،، ولا بد من الإلتفات أن ما ورد على لسان الإمام زين العابدين عليه السلام من الإعتراف بالذنب هو غير ما يكون في حقنا نحن العاصين، فإن لهم صلوات الله عليهم شؤوناً لا يمكن أن تصل إلى أفهامنا فضلاً عن أوهامنا، بأحد التوجيهات يمكن أن نقول أن الإمام عليه السلام إنما يتحدث بلسان شيعته هذا المقام، وتوجد توجيهات أخرى ليس المورد بحثها.....
نحن نجد أن كثيراً من العباد والزهاد ممن كان يدعي الصلاة والصوم والعبادة كانوا من قتلة الأئمة عليهم السلام؛ في حين أن من كان يقول أنه لم يتيسر له عبادة كاملة ولم يوفق لخلوة كاملة مع الله تعالى، كان ممن دافع عن أهل البيت عليهم السلام وعن شيعتهم.
لو نظرتم إلى تاريخ الأئمة عليهم السلام، سوف تعرفون من قتلهم على مدى التاريخ وغصب حقهم وظلمتهم، هل كان عمل اليهود؟ لا؛ هل كان عمل النصارى؟ لا؛ بل كان عمل المدعين بالإسلام والذي يقولون أنهم مسلمين.
لسنا هنا في مقام التعميم، بل يزيد في هذا المقام أن نبيّن الأصل في التقرب إلى الله تعالى وإلى أولياء الله عليهم السلام.
الآن، تصوروا أن الله قد مدّ هكذا سفرة ووضع فيها ما وضع من أنواع الطعام والشراب وكان على السفرة من هم من مسلمي الصدر الأول، وأنتم تعلمون ماذا فعل مسلمو الصدر الأول مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومع بنت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
الأسوأ من هذا أنْ يكون على سفرة من هم قد نشأوا على فضلات أولئك؛ فماذا تفعلون؟!!
لا نريد أنْ نقول أنْ لا تجلسوا على هذه السفرة ولكن ههنا مطلب لا بد أن تلتفوا إليه وتتأملوا فيه كثيراً!
يوجد لدينا شيءٌ واحدٌ يمكنه أنْ يجعل هذه السفرة واسعةًَ وتستوعب كل الناس فيها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
< لو إجتمعت الناس على حب علي بن أبي طالب ما خلق الله النار > وهذه العبارة وردة في كتاب بحار الأنوار الجزء 36 ص 249 باب 87 حب الإمام علي صلوات الله عليه وبغضه.
هنا نشير إلى لطيفةٍ وهي أنّه عندما يُذكر إسم الإمام علي عليه السلام لا يذكر إسم أبيه عليه السلام إلا بعنوان الكنية فنقول < علي بن أبي طالب > ولا نقول: علي بن عمران عليه السلام؛ والوجه في ذلك أن عمران عليه السلام أبا الإمام علي عليه السلام كان عظيماً فقد كان صلوات الله عليه غيب عالم الوجود وكان أمره مكنوناً، وهو مكنونٌ حتى يومنا هذا، وشأنه غير معلوم حتى بين الشيعة المنسوبين إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد عمل المخالفون على هذا الأمر، وأقل ما فعلوه عن أنهم حرفوا إسم سورة في القرآن كانت بإسمه صلوات الله عليه وأضافوا عليه لفظة (آل)، وهي سورة ( آل عمران )، وإلا فإن التسمية الحقيقية لهذه السورة كانت ( عمران )، ولكنهم لعنة الله عليهم بغضاً للإمام علي عليه السلام حرفوا إسم السورة وجعلوها مرتبطةً باليهود حتى يكسروا شوكة أمير المؤمنين علي عليه السلام ويقووا شوكة اليهود الذين كانوا وراء هذه التسمية، فجعلوا هذه السورة منسوبة إلى آل موسى النبي عليه السلام.
هل تظنون أن اليهود هم فلسطين فقط؟ لا، بل هم متغلغلون في العالم الإسلامي وهم من حرف كثيراً من الحقائق عبر هؤلاء المخالفين؛ فنسل اليهود سارٍ في كثيرٍ من المسلمين.
ههنا نريد أنْ نقوله أن سورة آل عمران مرتبطة بأبي طالب عليه السلام؛ وكل آيةٍ في القرآن هي آية من آيات محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين...
يتبع إن شاء الله بمحاضرة ثالثة ....
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
18-10-2004, 06:49 PM
......... المحاضرة الثالثة ......... مهمة جداً .............
شرط الإستفادة الخاصة: حضور القلب وعدم التشتت:
ولكنْ يبقى على الإنسان في هذا الشهر وفي غير هذا الشهر أنْ يكون ملتفتاً إلى هذه الرحمة الواسعة والفيض المطلق، وأنْ يكون قلبه حاضراً ومتوجهاً لهذه الرحمة الإلهية وأنْ يلا يكون هناك تشتتٌ في الفكر ولا في النية، بل ينبغي أنْ تُخفف إنشغالاته الذهنية والفكرية؛ فإن الإنشغال بالكثرات والتعلقات تبعد الإنسان عن التوجه السليم والصافي؛ وهذا الإنشغال والتشتت خطير جداً على وجود الإنسان إذ أنه ينعكس على وجوده وعلى آخرته؛ فقد تجد بعض الناس في لحظة الموت لا يتسنى لهم وقت حتى يتلفظوا بالشهادة بالألوهية والرسالة والولاية؛ بسبب إنشغاله في الدنيا بأمورٍ لا علاقة لها بأهل البيت عليهم السلام؛ ففي لحظة الموت، يأتي الإنسان كلُّ ما كان مشغولاً به.
ولكن ما أحلى أنْ يكون الإنسان منشغلاً بأهل البيت عليهم السلام وبإقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام.
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل أحد أصحابه:
< كيف أنت يا حارثة؟ فقال: أصبحت مؤمناً حقاً؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا حارثة لكل شيءٍ حقيقة فما حقيقة يقينك؟ قال: يا رسول الله عزفتْ نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت هواجري، وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وُضع للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أسمع عواء أهل النار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عبدٌ نوّر الله قلبه للإيمان، فاثبت، فقال: يا رسول الله أدع الله لي أن يرزقني الشهادة، فقال: أللهم إرزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلا أياماً حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية فبعثه فيها، فقاتل فقتل سبعة أو ثمانية ثم قُتل>. أوردها الكافي في الجزء 2 ص 54.
الواقع أنه صار رضوان الله عليه من أهل اليقين لأن قلبه كان مشغولاً بالتوجه إلى الله وأوليائه.
ولكننا في نفس الوقت نجد أنّ كلّ منْ كان منشغلاً بأمور الكذب والإفتراء والحسد لأهل بيت العصمة والطهارة والكيد لهم، ذهب إلى سقيفة بني ساعدة بعد شهادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفعل ما فعل.
ومن آثار سقيفة بني ساعدة أنّك الآن لا تجد في مكة والمدينة أي شيء يكشف عن آثار أهل البيت عليهم السلام، فلا بيت الرسول معروف، ولا حي بني هاشم معروف، ولا قبر والد ولا والدة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معروف، فقد عمل النواصب على إخفاء كل هذه العالم، نعم بقي شيءٌ واحدٌ، وهو أنه يوجد في المدينة حديقةّ محسنة وخي المكان الذي كانت فيه سقيفة بني ساعدة حيث غُصب حق أمير المؤمنين علي عليه السلام.
أيها الموالي ألا تريد أن تفتح عينيك حتى ترى أمير المؤمنين عليه السلام وترى الإمام الحسين عليه السلام؟
ولكن كيف يمكن أن ترى هذا، والحال أنك منشغلٌ بأمور تبعدك عن هذه الرؤية والمعرفة، فكل الإنشغالات بغير ذكرهم صلوات الله عليهم موانع من التقرب والإتصال بأهل البيت عليهم السلام؛ وكلما كان الإنسان متشتتاً كلما ذهب الإستعداد من نفسه شيئاً فشيئاً.
طريق غفران الذنوب:
ولكن لو كان الإنسان غافلاً وانتبه بعد غفلته، وأراد أنْ يرجع إلى محضرهم صلوات الله عليهم، فلا ينبغي له أنْ ييأس من عدم قدرته على التخلص من أنانيته ومن حب الدنيا، فإن مجرد التوجه والرجوع إلى الإمام الحسين عليه السلام يُرجع الإنسان إلى حالته الأولى؛ وهذا من خصوصيات الإمام الحسين عليه السلام، سبحان الله.!!
فإن الإمام الحسين عليه السلام هو مظهرُ ماحي السيئات؛ وهو ما ورد في وصية أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى الإمام الحسين عليه السلام"
< أي بني، لا تؤيس مذنباً فكم من عاكفٍ على ذنبه خُتم له بخير وكم من مُقبلٍ على عمله في آخر عمره صائرٌ إلى النار نعوذ بالله منها أي بنيّ كم من عاصٍ نجا وكم من عاملٍ هوي> وقد وردت هذه الكلمات في نهج السعادة ج 7 الشيخ المحمودي ص 479.
إن أمير المؤمنين عليه السلام يريد أن يعلم الشيعة أن الإمام الحسين عليه السلام هو رحمة الله الواسعة وأن هذه الرحمة غير مقيدة بأي قيد على الإطلاق.
وبعبارةٍ واضحة، كل توبةٍ ورجوع إلى الله عز وجل – وإنْ كانت تتكفل بغفران السيئات – لا تزيل من الصحيفة السابقة للمذنب كلّ آثار الذنوب القديمة وهو ما ورد في بعض الروايات هن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم.
ولكن يوجد طريقٌ آخر للتوبة غير الطريق المتعارف وهو طريق الإمام الحسين عليه السلام؛ فإن التوبة التي تكون عن طريق الإمام الحسين عليه السلام تحرق الصحيفة السيئة من جذورها وتوجِد صحيفةً جديدةً مكتوبٌ فيها حب الإمام الحسين عليه السلام، وهو ما ورد كذلك في كثير من الروايات.
عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام: < من اراد ان يكون في كرامة الله يوم القيامة وفي شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله)، فليكن للحسين زائرا ينال من الله الفضل والكرامة وحسن الثواب، ولا يسأله عن ذنب عمله في حياة الدنيا، ولو كانت ذنوبه عدد رمل عالج وجبال تهامة وزبد البحر، ان الحسين (عليه السلام) قتل مظلوما مضطهدا نفسه عطشانا هو واهل بيته وأصحابه>. كامل الزيارات لإبن قولويه ص 289 باب إن زيارة الإمام الحسين(ع)تحط الذنوب ح6
قال الإمام أبو الحسن موسى عليه السلام: < أدنى ما يثاب به زائر الإمام الحسين عليه السلام بشاطي الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر>. نفس المصدر ص 288 ح5
البكاء الصافي الذي لا مجال له إلا أنْ يطهر الذات من كل خبثٍ هو البكاء على الإمام الحسين عليه السلام، وهو أصفى من البكاء خشية الله تعالى لأن هذا البكاء قد يكون مخلوطاً بهوى النفس؛ وأما بكاء على الإمام الحسين عليه السلام فلا مجال لأن يكون كذلك، ولو كان كذلك فقد تولى الله تصفيته بنفسه، فإن البكاء على الإمام الحسين عليه السلام مورثٌ للطهارة حتى ولو كان هذا البكاء من باب الرياء كبعض مصاديق التباكي.
كل عبادةٍ شرعيةٍ تحتاج إلى شروط خاصةٍ حتى تكون مجزيةً ومقبولةً ومقربةً إلى الله تعالى؛ أما البكاء على الإمام الحسين عليه السلام فلا شرط له أصلاً، وهذا ما يستفاد من كثير من الروايات المروية عن الإمام الصادق عليه السلام وهي صحيحة السند.
فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: < وما بكى احد رحمة لنا ولما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو ان قطرة من دموعه سقطت في جهنم لاطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر> وردت في كتاب كامل الزيارات الباب 32 ص 205.
والروايات مستفيضة في هذا المقام؛ فراجعوا الكتب المعتبرة في هذا المجال، وخصوصاً كتاب كامل الزيارات.
هذا هو العرفان الشيعي!!!
المعادون والمنكرون لولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يعلمون الأثر العظيم لهذا النوع من المعرفة الشيعية والتعلق والإرتباط بالأئمة عليهم السلام، فلأجل هذا يقطعون الطريق ويمنعون من ظهور هكذا معارف.
ومن أبسط مظاهر قطع الطريق عن هذه المعارف ومنعها من الرواج، أنك تجد البعض يناقش في بعض التفاصيل التاريخية المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام ويحاول أن ينكرها وقد يدعي في بعض الموارد الأخرى أن هناك غلواً في ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام.
فعلى سبيل المثال، قد يقول البعض إنه توجد مبالغةٌ وتحريف في ما جرى في كربلاء؛ ولكن ما ينبغي قوله إن كل ما يقال ويروى في مصيبة الإمام الحسين عليه السلام وسبي السيدة زينب سلام الله عليها أقل بكثير مما وقع في كربلاء؛ وعلى هذا لا يمكن أن يقع الكذب في كربلاء فما نقوله مثلاً في عطش الإمام الحسين عليه السلام أقل بكثير مما كان من عطشه صلوات الله عليه وآله.
يا حســــــين، يا حســــــين، يا حســــــين.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
إذا كان شخصٌ مبتلى بأي نوع من الذنوب بنحو أن هذا الذنب جعله يائساًَ ولا رجاء له، فماذا يفعل؟
نقول أولاً إن شهر رمضان قد تكفل بغفران هذا الذنب؛ فإن الشقي كل الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر.
ولكن لو فرضنا أنه لم يوفق للتوبة في هذا الشهر، فيوجد له مجال أنْ يدرك هذا الغفران الإلهي في عرفة يوم الحج، ولو فرضنا أنه لم يوفق كذلك للحج في عرفة، فماذا يفعل؟
في رواية صحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ كل شخص يكون محزوناً في مصيبة جدي الحسين عليه السلام، وفي رواية أخرى يكون محزوناً على أهل البيت عليهم السلام؛ فلو وُضعت قطرة الدمع التي تخرج منه بكاءً على الإمام الحسين عليه السلام في نار جهنم لأطفأتها إطفاءً كاملاً أزلاً وأبداً.
وأنت قد لا تصدق هذا وهل تعرف لماذا؟
لأن المعصية لها ما لها من الطغيان الذهني على وجودك وتفكيرك؛ فعندما تأتي هكذا روايات لا تصدقها.
وههنا نريد أن نبين قاعدةً وأصلاً وهو أن السبب الأساس وراء إنكار هذه الحقائق من قبيل أن الذنوب تغفر مطلقاً بمجرد نزول دمعة بكاءٍ على الإمام الحسين عليه السلام وغيرها من الحقائق الولائية، وهو أن المعصية قد استولتْ على وجود المنكر، والذنب قد أحاط بكل أطراف وجوده ما أدى إلى إنكاره لهكذا رحمة واسعة لأهل البيت عليهم السلام، وهذا الإنكار هو إنكارٌ لفضائلهم ومقاماتهم وشؤونهم.
خلاصة الكلام إن رأس الفساد والذي هو أساس كل المفاسد والذنوب هو إنكار ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وفضائل أهل البيت عليهم السلام.
يتبع إن شاء الله غداً بمحاضرة جديدة.....
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــا
البحراني73
18-10-2004, 10:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الله اما صلي على محمد وال محمد
احسنت أخي عن جد موضوع جيد وبارك الله فيك وهي في ميزان اعمالك
البحراني73
نزار حسين
19-10-2004, 12:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
جزاكم الله خيرا اخي
وأفادنا الله بكم ووفقكم لكل خير
يا علي مدد
19-10-2004, 03:29 PM
...... المحاضرة الرابعة ..........
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
الشيطنة هي إنكار ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام:
إن إبليس إنما نال ما نال من البعد واتسم بسمة الشيطنة والغواية لأنه كان أول من أبى ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام؛ وبعبارةٍ أخرى، ضابط الشيطنة الأساس هو الرفض لولاية آل الله عليهم الصلاة والسلام.
عندما خلق الله النبي آدم عليه السلام، قال لإبليس إن عندي مخلوقٌ – وهو آدم – وهو أبو الآدميين، وأُوجدُ الناسَ به ومن خلاله، ولكني أُوجد نفس آدم بشيء تكون له بهذا الشيء لياقةٌ أنْ يسجد له كل الملائكة؛ ولكن ما هو هذا الشيء؟
يقول الله تعالى:
< قال يا إبليسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَفْتُ بِيَدَيّ أَسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العَالينَ> سورة ص الآية 75
هنا يد الله هي أمير المؤمنين عليه السلام؛ فهذا الخلق الذي أمر الله إبليس بالسجود له متقومٌ بوجود أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وآله.
وأما التعبير عن اليدين، فبأعتبار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث كان صلوات الله عليه وآله واسطة الخلق في إظهار هذه الولاية.
بعبارة واضحة، نقول إنَّ كلّ المفاسد التي تنشأ في وجود الإنسان منشأها الإنكار لولاية مولى المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
هل عرفتم ما هو شهر رمضان؟
إذا ظهرت لكم صفة الرحمانية التي يتصف بها هذا الشهر المبارك، حيث: < أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة>؛ فعند ذلك تتبين الكثير من الحقائق المرتبطة بشهر رمضان وينبغي أن نكون ملتفتين بدقةٍ إلى هذه المطالب حتى يهدينا الله بحوله وقوته إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
أللهم، أعطنا من حرارة شهر رمضان وخلّصنا من الجهالة، ولا تجعل لنا تعلقاً بغير أهل البيت عليهم السلام.
مراودات الوصال الأول:
المراودة الأولى: التصدق والإنفاق موجب لقبول الصوم:
توجد مسألةٌ مهمةٌ لا بدّ من ذكرها ولها أثرٌ قويَ جداً في نيل الرحمة الإلهية المطلقة والواسعة؛ وأهل المعرفة والكمال لهم عنايةٌ خاصةٌ بها في شهر رمضان وهي موجبةٌ لقبول الصيام، ومن دونها يكون الصيام بلا خاصية وبلا ثمرة معنوية.
إحدى الرسوم العالية والأوامر الإلهية الخاصّة التي لا بد من مراعاتها، حيث كان الجميع في الأزمنة الماضية يعلمون بها على حالات الفقر والغنى، أنهم كانوا ينظرون إلى بعضهم بعضاً من جهة مالية، فلو لم يكن عند أحدهم مالٌ أو إفطارٌ لائق، كان جاره يأتي له بإفطار؛ ولكن في هذه الأيام نجد خلاف هذا، فقلما نجد من يؤمن سحوراً مثلاً لجاره أو قريبه وما شابه، وهذا يؤدي إلى سلب كثيرٍ من الخصوصيات اللائقة بشهر رمضان.
في شهر رمضان، كلّ من يقدر أن يوصل إلى جاره طعاماً، أو يعين فقير على قدر الإستطاعة، سوف ينال بركات خاصة لا يمكن تحصيلها من أي مقام آخر.
ولكن هذا التصدق والإنفاق لا ينبغي أن يكون بالمنّ، حيث يقول تعالى: < لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى> سورة البقرة الآية 264.
فأفضل عمل يمكن أن يقوم الصائم به في هذا الشهر هو أن يعين الآخرين في هذا الشهر بالخصوص.
ولكن لا بد من الإلتفات أن الشرط الأساسي في قبول الأعمال هو النية السليمة التي تكون خالصة من أي شائبة تشوبها.
في العبادات، النيةُ شرطٌ أساسيٌّ في تحقق العبادة وصحتها، فعندما تقول إنك تقوم بهذه العبادة قربة إلى الله، فهذا يعني أن المعاملة هي مع الله تعالى، مع نفس الله تعالى؛ فلا بد من مراعاة تمام شؤون العبودية في التعامل مع الله.
ومن هنا عندما تعطي أحداً مالاً أو أي صدقة، لا تجعل يدك فوق يده، بل لا بد أنْ تكون يدك تحت يده، لأنّ يدَ الآخذ هي يدُ الله كما في بعض الروايات أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد المعطى له؛ وحيث ان < يَدُ اللهِ فوقَ ايديهم> سورة الفتح الآية 10، فلا يصح أن تجعل يدُ الآخذ تحت يد المعطي لأن يد الآخذ هي يد الله، بل لا بد أنْ تكون يدُ المعطي تحت يد الآخذ.
إن الله تعالى من خلال هذا الشخص الفقير المحتاج هو الذي يأخذ هذا القرض الحسن: < من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً> سورة البقرة الآية 245.
عين هذه المعاملة هي مع الله تعالى؛ لا أنها مع الله تعالى بواسطةٍ ما؛ وهذا هو معنى أن العمل لا بد أنْ يكون قربة إلى الله تعالى؛ أي هي معاملة مع الله تعالى بدون واسطة.
المراودة الثانية: النوافل:
في الحديث القدسي:
< ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، الحديث> كتاب الغدير ج 1ص 408.
شرط قبول هذه النوافل أن تكون قربةً إلى الله.
أثرُ النوافل عجيبٌ، وخاصةً النوافل اليومية، فإن لها أثرٌ عجيبٌ بل لعل أثرها أكبر من نوافل الليل؛ ولكنها لا بد أن تكون قربة إلى الله تعالى.
ولكن ما أريد أن أقوله أن حقيقة النوافل هي غير هذه وإن كانت هذه النوافل هي آثار النافلة الحقيقية.
زيارة الإمام الحسين عليه السلام مستحبة؛ أتعلمون لماذا؟ لأن بنائها العشق، ومن لم يكن له عشقٌ للإمام الحسين عليه السلام لن يُوفق للزيارة، وكذا النوافل مستحبةٌ لأن العشق بناؤها.
ولكن نفس هذه النوافل واجبةٌ للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه وصل إلى العشق التام، وحيث أنك أنت لم تصل بعد إلى ذاك المقام، فليست عليك، ولكن لو وصلت إلى ذاك المقام العشقي، فسوف تؤدي النوافل من دون أي عناءٍ وتكلف.
المراودة الثالثة: المعاملة مع الله عز وجل:
إحذر أنْ تتعامل مع الله على أساس حساب محدود، فهو موجبٌ للرحمان من عطائه، الذي هو بغير حساب؛ فلا بد أن يكون الإنسان من الله فيما يرجوه أرجى منه فيما يرجوه، فإن النبي موسى عليه السلام ذهب ليصطلي ناراً فرجع نبياً؛ وهذا هو معنى قوله تعالى: < ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب> سورة الطلاق الآية 2و3
المراودة الرابعة: عطاشى الإمام الحسين عليه السلام:
أُرشدك إلى عمل؛ أن تقوم بعد نصف الليل وتصب كوباً من الماء، وتشرب جرعةً واحدةً منه، ولا تكمل تمام الكوب بل أترك شيئاً منه لأطفال الإمام الحسين عليه السلام العطاشى.
أللهم، بحق الإمام الحسين عليه السلام أعطنا المعرفة والكمال بالإتصال بولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
يتبع إن شاء الله بمحاضرة خامسة غداً بإذن المولى صاحب العصر والزمان (عج)
يا علي مدد
20-10-2004, 05:35 PM
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم يا كريم
....المحاضرة الخامسة ... لطيفة .... ورائعة ..... ومهمة .....
الوصال الثاني
في معنى الشهر المبارك
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) سورة البقرة الآية 285
معنى كلمة (شهر):
كلمة (شهر) مرتبطةٌ بكلماتٍ متعددة ذات مبدءٍ إشتقاقيٍّ واحد، فهي مع تلك الكلمات من عائلةٍ إشتقاقية واحدة؛ وأفراد هذه العائلة هي من قبيل: مشهور، شهرة، إشتهار، مشتهر، شهير.
كلمةُ (شهر) تشير إلى عدة من ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً؛ فالقمر في سيره الصعودي والنزولي يشكل شهراً واحداً، ويعبر عنه في الفارسية بـ (ماه)؛ ولكن ليس هو معنى (الشهر) الوارد في القرآن، بل هو من باب المجاز في الكلام، فهو من بلب ذكر اللازم وقصد الملزوم أو ذكر الملزوم وقصد اللازم.
فشهرٌ بمعنى أنّ له شهرةً لدى الناس، فالكلّ يعرفونه، فالمؤمن والكافر والرجل والمرأة والكبير والصغير يعرفونه، فلا يوجد في العالم منْ لا يعرف الشهر وذلك أنّ فيه من الأحداث والأوضاع الخاصة التي يتميز بها عن غيره من الأيام؛ والقمر كذلك معروفٌ عند الناس، فإن أمره ظاهرٌ بحيث أنّ الناس يبدأون الصيام برؤية هلاله ويفطرون لرؤيته، وينجزون الكثير من الأعمال على أساسه وذلك لأنه مشهورٌ بين الناس.
فنقول إنّ هذه العدة المخصوصة من الأيام التي يجب فيها الصيام هي شهر رمضان لأنها معروفةٌ ومشهورةٌ لدى الناس، ونقول إنّ تلك العدة المخصوصة من الأيام التي إستشهد فيها الإمام الحسين عليه السلام هي شهر محرم، وكذا الأمر بالنسبة لشهر ذي الحجة وسائر الشهور الأخرى.
إذاً، الشهر هو كذلك بإعتبار أنه مشهور عند العرب والعجم، أي أن كل دورة تشكل فترة زمنية معينة لها خاصية معهودة وهي مشهورةٌ عند العرب والعجم؛ حيث أنهم يرتبون عليه آثاراً مهمةً ويحددون مواقيت محددة لأيامهم وأوضاعهم وما شابه.
ومِنْ هنا في اللغة الفارسية يُطلقون على المدينة وعلى البلد وعلى القطر المعروف لفظة (شهر)؛ وهذه الكلمة إنتقلتْ من العربية إلى الفارسية.
أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وآله هو شهر الله:
شهر رمضان هو شهر الله أيْ أن الله أعطاه الشهرة؛ ولكن قد يعطي الله شهرة لشيءٍ ولا ينسبه لنفسه تعالى وتقدس، وأما إذا كان هذا المشهور الذي أعطاه الله الشهرة أشهر من غيره فيسمى عندها شهر الله لأنه لا يوجد ما هو أشهر منه عنده تعالى وتقدس.
هنا نقول إن شهر الله هو أمير المؤمنين عليه السلام، أيْ أنّ الله هو الذي شهره بنحوٍ يمكننا أن نقول لم يُشهِر غيره كما شَهَره؛ فأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هو شهر الله الأعظم.
عن إبن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
< لما عُرج بي إلى السماء ما مررت بصفٍ من الملائكة إلا سألوني عن علي بن أبي طالب (ع) حتى ظننْت أن إسمه في السماء أشهر من إسمي في الأرض> كتاب نوادر المعجزات، لمحمد بن جرير الطبري صفحة 71.
نعبّر عن الأيام المعلومة لدى الناس بكلمة شهر، ولكن الإمام علي عليه السلام أشهر.
وقدْ ورد في بعض زيارات أمير المؤمنين عليه السلام: < يا مشهوراً في السموات>.
فقد نقل بعض الأعلام من المجلسي والمفيد والطبري وغيرهم أنّ رجلاً رأي إعرابيةً في مسجد تقول:
< يا مشهوراً في السماوات ويا مشهوراً في الارضين ويا مشهوراً في الدنيا ويا مشهوراً في الآخرة جهدتْ الجبابرة والملوك على إطفاء نورك وإخماد ذكرك فأبى الله لذكرك إلا علوا ولنورك إلا ضياء ونماء ولو كره المشركون.
فقيل: لمن تصفين؟
قالت: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام، فالتفت فلم ير أحدا>وهذه الرواية في البحار ج42 ص39.
نقرأ رواية لطيفة ولها سند معتبر:
< عن كتاب بستان الكرام: إن جبرائيل عليه السلام كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل الإمام علي عليه السلام فقام له جبرائيل عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتقوم لهذا الفتى!؟
فقال جبرائيل عليه السلام: نعم، إن له عليّ حق تعليم. فقال: كيف ذلك التعليم يا جبرائيل؟ فقال: خلقني الله فسألني من أنت وما إسمك؟ ومن أنا وما إسمي؟ فتحيرت في الجواب، ثم حضر هذا الشاب في عالم الأنوار وعلمني الجواب.
فقال: قل: أنت الرب الجليل وإسمك الجميل، وأنا العبد الذليل وإسمي جبرائيل، فلهذا قمت وعظمته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كم عمرك يا جبرائيل؟ فقال: نجم يطلع من العرش كل ثلاثين ألف سنة مرة واحدة، وقد شاهدته طالعاً ثلاثين ألف مرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيت ذلك النجم تعرفه؟ قال: كيف لا أعرفه! فقال: يا علي خذ العمامة من جبهتك، فلما كشف رآه في جبهة الإمام علي عليه السلام>. وهذه الرواية في كتاب القطرة، للسيد أحمد المستنبط الجزء 1 ص 190.
وهنا ملاحظة أن السنين التي تحسب في هذا المقام أي مقام (كل ثلاثين ألف سنة مرة واحدة) ليست من السنين الزمانية الدنيوية، بل هي سنين الربوبية ولا يمكن أن تقاس بالمعايير الدنيوية، وهو ما ورد(إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون). فأنتم بأنفسكم إحسبوا كم عمر جبرائيل عليه السلام. ومن أهم الملاحظات التي يمكن أن نأخذها من هذه الرواية أن النجمة كانت على جبهة الإمام علي عليه السلام، وهنا ما يؤكد أن جبرائيل عليه السلام مخلوق من جبهة الإمام علي عليه السلام، وهنا قول الإمام علي عليه السلام: أنا الذي وضع إسمي على الملائكة فتكونت الملائكة، وانا الذي وضع إسمي على العرش فتكون العرش.... إلى آخر الحديث.
شهر رمضان مشهورٌ لأنه تجلى الإمام علي عليه السلام، فهو بذلك شهر الله تعالى، وهنالك وجوه كثيرة أخرى لشهرة هذا الشهر من جهة إرتباطها بولاية الإمام علي عليه السلام رزقنا الله معرفتها.
هذا الشهر هو شهر معرفة أهل البيت عليهم السلام، وخاصةً معرفة مولى الموالين والمتقين يعسوب الدين، قائد الغر المحجلين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله.
مراودات الوصال الثاني:
المراودة الأولى: شهر محرم الحرام:
الآن لو سألناكم أيها الشيعة الموالين، منْ أيّ شهرٍ أتيتم وإلى أي شهرٍ تنتسبون؟ فماذا تقولون؟
قد يقول البعض إنه، نحن أتينا من شهر رمضان، ولكن الأغلب منكم يقول إنه نحن قد أتينا من شهر محرم، ولا يمكن أن نستأنس بغيره.
وإن إستيناس الشيعة الموالين بشهر محرم أكثر من غيره نابع من أنّ شهر محرم هو شهر الإمام الحسين عليه السلام، وقد ورد أن للإمام الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً، وفي هذا الشهر يخرج المرء من ذنوبه ببركة البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وهذا ما ورد في بعض فقرات الوصال الأول. ( إنظر طريق غفران الذنوب).
المراودة الثانية: الأرض الرمضاء:
الأرض الرمضاء هي التي لها شغلةٌ كبيرة وتكون نارها وحرارتها ظاهرةً.
فشهر رمضان سمي كذلك لأنه حارّ وفيه شعلةٌ عاليةٌ ظاهرةٌ؛ (صحراء رمضاء)؛ فشهر رمضان حارّ، وأهل المحبة حارون وليسوا باردين، أيْ أنّ حرارة شهر رمضان زائدةٌ؛ ولكن لمحرم حرارةٌ أخرى خاصةٌ لا يمكن أن توجد في غيره ولا حتى في شهر رمضان.
هذا لأن فيها حرارة دم الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته، فضلاً عن الحرارة النابعة من بكاء صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بدل الدموع دماً على جده الإمام الحسين عليه السلام.
يتبع إن شاء الله بمحاضرة سادسة غداً بإن المولى صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف
والسلام عليكمورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــا
يا علي مدد
21-10-2004, 09:27 PM
الوصال الثالث
في هداية القرآن
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) سورة البقرة الآية 285
معنى الهداية:
ذُكر للهداية التي هي وصف القرآن ووصفٌ لنزوله في هذا الشهر معنيان:
المعنى الأول: الهداية هي إراءة الطريق.
المعنى الثاني: الهداية هي الإيصال إلى المطلوب.
وهذان المعنيان للهداية لا منشأ روائي لهما، وهما متخذان من رأي العلماء والحكماء مثل كبيرٍ من المطالب العلمية؛ وهما واضحان بالنظرة الأولى.
ولكن ما هو فرق بين هذين المعنيين؟
مرةً تعطي عنوان الحسينية لأحدٍ وتقول له أنْ يسلك الطريق على نحوٍ معين بسلوك إتجاهات مخصوصة، وهذا هو إراءة الطريق.
تارةً أخرى؛ تأخذ هذا السائل بنفسك في سيارتك مثلاً إلى الحسينية من دون حاجةٍ أن تعطيه عنواناً مكتوباً وما شابه ذلك؛ وهذا هو الإيصال إلى المطلوب.
والمعنى الثاني أصحّ لمعنى الهداية ومحققٌ لمصداقها بنحوٍ أوضح لأنه بالمعنى الأول قد لا يتحقق المطلوب فلا تتم الهداية.
ولكنّ الحقّ أن الهداية ليست أياً من هذين المعنيين بالتعبير القرآني والروائي؛ نعم قد يُقال إن هذه المعاني هي من لوازم معنى الهداية الحقيقي الذي سوف نبينه إن شاء الله.
والوجه في ذلك أن الله قد بين في هذه الآية الشريفة أن القرآن الذي أُنزل في شهر رمضان تارةً يكون هدًى للناس، وأخرى يكون بينات من الهدى والفرقان إنْ لم يحصلوا على الهدى التام من القرآن؛ ولكن لو فرضنا أن الهدى بمعنى الإيصال إلى المطلوب، فإن أمر الهداية يتم ولا حاجة إلى التفصيل والإضافة، في حين أن الله عز وجل يقول: < وبيناتٍ من الهُدى والفُرقان> سورة البقرة الآية 185.
وبعبارةٍ أخرى،هذا التفصيل في أمر الهداية في هذه الآية الكريمة بيْن هذين القسمين يشير إلى مسألةٍ مهمةٍ وهي أن الهداية ليست أمراً متواطئاً بنحو حقيقة واحدة لا مراتب فيها، بل هي أمرٌ مشككٌ ذات مراتب؛ وخصوصية التشكيك فيها تكشف عن الحيثية الوجودية التي توجد فيها، بخلافه في حيثية التواطؤ؛ فإن التواطؤ إنما يكشف عن حقيقة واحدة لا مراتب لها تختلف بالشدة والضعف.
وبعبارةٍ أخرى، نقول إن الآية الكريمة تبين أن الهداية قد تكون ضعيفةً في بعض الموراد وقد تكون شديدةً، أيْ أن الهداية تكون في بعض الموارد هدايةُ كاملةًَ، وتكون في موارد أخرى غير كاملة، بحيث توجد هداية ولكنها بينات من الهداية، لا أن نفس الهداية الكاملة تتحقق.
ومن هنا نقول إن المعنيين المذكورين للهداية لدى الحكماء إنما ينسجمان مع التعريف الماهوي الذهني للهداية، ولكن الهداية في الحقيقة ليست أمراً ماهوياً أي ليست الهداية أمراً ذهنياً محدوداً بأطرٍ ذهنيةٍ تكشف عن أمرٍ محددٍ في الوجود الخارجي، بل الهداية أمرٌ وجوديٌّ له آثار الواقعية في الخارج ويوجد إتصالٌ بين مراتب هذه الهداية، بنحوٍ تكون إحدى هذه الشؤون ضعيفةً وتكون أخرى شديدةً، ومن هنا لا يمكن تعريفها، وتحديدها، لأن ما يكون للتعريف هو الأمور الماهوية، ولو ذكرنا تعريفاً ما لها فهو من باب تبيان بعض اللوازم لحقيقة الهداية.
ولتوضيح الأمر نقول إن الهداية للموجودات في الوجود الخارجي ليست على نمطٍ واحدٍ، بل إن الهداية لها مراتب وشؤون متعددة، فإن هداية الإنسان مثلاً تتم على نحو محدد، وكذا هداية الموجودات المختلفة تتم بأنماطٍ متنوعةٍ، ولو أتينا إلى نفس الإنسان، نجد أنْ هداية الأفراد تختلف من فردٍ إلى فردٍ آخر، فإن هداية الأولياء تختلف عن هداية الخواص من الناس، وكذا هما تختلفان عن هداية العوام من الناس، وهذا ينسجم مع قوله تعالى:
< وبيناتٍ من الهُدى والفرقان > سورة البقرة الآية 185
أيْ منْ لمْ تنله الهداية على نحو التمام، يكون له نصيبٌ من هذا الهدى، فينال بينات من الهدى والفرقان، أي بعض شؤون هذه الهداية.
الآن، لا بأس بأنْ بخوض في بعض الأمثلة والأمور الجزئية حتى يتبين لنا معنى الهداية ومصداقها.
إذا أردت أنْ تعرف من هو من أهل الولاية ومن ليس من أهلها؟ إذا أردت أن تعرف أن هذا الشخص يحبك أو لا يحبك؛ فما هو الميزان في ذلك؟
قد تكون مصاحباً لشخص يدعي أنه يحبك، ولكن بعض خمسين سنة يتبين أنه لا يحبك، سبحان الله!! الحق أنه من البداية لم يكن محباً لك.
الميزان الذي به تعرف أن هذا الشخص محبٌ لك أو ليس محباً هو أنْ يحب كل ما تحبه أنت، وأنْ يكره كل ما تكرهه، فيكون عند ذلك من أهل محبتك وولايتك، وأما إذا كان العكس، بمعنى أنه يحب ما تكره، ويكره ما تحبه، فهو غير محبٍ لك وغير موالٍ لك.
ما ذكرناه الآن هو من لوازم الهداية، أيْ هو من بينات الهدى والفرقان: < وبيناتٍ من الهدى والفرقان>
وما يكون من بينات الهداية في الموالاة لأهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، هو ما يرد في الزيارات:< موالٍ لمن والاكم، ومعادٍ لمن عاداكم، محبٌ لمن أحبكم، ومبغضٍ لمن أبغضكم>.
أنت تدعي موالاتنا، هل أتيت إلى زيارتنا؟ هل تحب من نحب ومن يحبنا، هل أنت معادٍ لمن عادانا؟
وقد جاء شعر من ناحية كتابية: (ذاك الصنم المعبود قال تلك الليلة الماضية في حلقة الذكر: ما شأنك والكفار إنْ لم تكون عابداً لصنمهم).
وقد ورد في هذا المعنى في كثيرٍ من الروايات:
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: < المرء على دين خليله وقرينه > الكافي باب مجالسة أهل المعاصي ص 275 الحديث رقم 3
وفي وصيةٍ لأمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وآله إلى كميل: < يا كميل أخوك دينك، فإحتط لدينك ما شئت> الأمالي، للشيخ المفيد ص 283.
وهذا من أهم معايير التولي والتبري.
وأخيراً: وا أسفاه أني حتى هذا الوقت لم أكن أعلم أن كيمياء السعادة ( وهو تعبير عن الولي المرشد المصاحب لسالك الطريق) كان مرافقاً لي في كل هذا الزمان.
يتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة السابعة... محاضرة قيمة جداً إن شاء الله حول حقيقة الهداية، مع أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يـــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــا
مريام
22-10-2004, 03:55 PM
يسلموووووووو خوي وجزاك الله الف خير
يا علي مدد
22-10-2004, 09:52 PM
المحاضرة السابعة ...محاضرة لطيفة جداً جداً حول حقيقة الهداية من أهل البيت عليهم السلام
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
حقيقة الهداية:
الآن، تبين أن الهداية ببعض لوازمها هي ما ذُكر، ولكن يمكننا أنْ نقترب أكثر في فهم الهداية بالنظر في حقيقة الهداية وصداقها.
عندما يقول المصلي: ( إهدنا الصرتط المستقيم)؛ فإن حقيقة الهداية هي التي تجعل المصلي والمؤمن متحققاً بالهداية في متن هذه الآية حيت تلاوتها، ولكن لكي تحقق هذه الآيةُ الهدايةَ لقارئها المتحقق بها لا بد أن تكون بنفسها هداية، فنفس هذه الآية هدايةٌ ولا تحتاج إلى هداية من خارج؛ وذلك أن كلّ آيات القرآن الكريم تبيانٌ لكل شيء فضلاً أنها تبيانٌ لنفسها، فلا يمكن أنْ تكون تبياناً لكل شيء، وتكون في نفس الوقت مبيَّنة من قبل الغير، ثم إن هذه الآية لها خصوصية على آيات القرآن الأخرى، فهي أولى بالهداية من غيرها لأن الهداية فيها مذكورة بدلالة مطابقية، وإنْ كانت كل الآيات الأخرى هداية، ولكن هدايتها مستقاة من هداية نفسها.
وبعبارة أخرى، نقول إن الهداية في هذه الآية إنما تُحقق الهداية لطالب الهداية فيما لو صار هنالك نحوٌ من الإتحاد والإتصال بين الطالب للهداية وبين الآية، وإلا فإن الهداية لا تتم بمجرد قراءة هذه الآية من دون الإتصال الحقيقي مع هداية هذه الآية الواقعية، وهذا إنما يكون بالإتصال والوحدة مع صاحب الهداية على الإطلاق وهو متعلق هذه الهداية بل هو عين هذه الهداية، وهو الوجود المقدس لصاحب الصراط المستقيم وهو مولى الموحدين وعين الصراط المستقيم وعين ماء الحياة علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات والتسليم.
لكن ههنا مطلبٌ دقيقٌ، لا بدّ أنْ تلتفتوا إليه، وهو أنّ ما ذكرناه من أنّ هذه الهداية هي نفس وجود أمير المؤمنين عليه السلام مبني على أنّ الهداية في هذه الآية التي تعطي الهداية لمن يريد الهداية لا بدّ أن يكون لها وجودٌ واقعيٌّ يشار إليه بهذه الآية اللفظية، ومن الواضح أن كلامنا ليس في هذه الآية اللفظية، بل فيما وراء هذه الآية وحقيقة هذه الآية.هذا!!!
تأملنا في فطرة الإنسان نجد أن الإنسان يجد في نفسه دافعاً لضرورة الإقتداء بالكبار من الناس؛ والله نفسه في كتابه الكريم يشير إلى هذا المطلب بلسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (إن كنتم تحبون الله فإتبعوني يحببكم الله)؛ وهذه هي حقيقة الهداية؛ وأحد مصاديقها هو ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا ما ذكره صاحب كتاب عوالي الآلي ج3ص85.
هذه هي الهداية، فليست لا إراء الطريق ولا الإيصال إلى المطلوب، بل الهداية هي الجذب والإنجذاب نحو المطلوب، بنحوٍ يصير الطالب لها عين المطلوب وفانياً فيه، وبنحوٍ تظهر فيه آثار المطلوب.
في زمان الإمام الصادق عليه السلام، كان أحد أصحابه مثل الظل بالنسبة إليه وكان مؤدباً معه، وكان يجلي آداب المريد الحقيقي، وكان صادقاً في المحبة؛ وقد كان له أخٌ سيء الخلق معادياً في أول أمره للإمام الصادق عليه السلام ولشيعته ومواليه.
مرة أتى هذا الشخص وسبّ الإمام عليه السلام، فتضايق أخوه الموالي وضاق صدره؛ فقال له الإمام عليه السلام، هل تريد أنْ تحصل الهداية لأخيك؟
فقال له يا سيدي ومولاي أنه في طوال عمري كان لي دعاءٌ واحدٌ ان يهدي الله أخي هذا، فنظر الإمام الصادق عليه السلام إليه نظرةً واحدةً، فنادى لتوه: سيدي ومولاي وصار يبكي على قدم الإمام عليه السلام.
ثم قال الإمام عليه السلام: منْ نريد أن نهديه، نهدية بنظرةٍ واحدة منا.
وفي رواية أخرى: (عن هارون بن رئابن قال: كان لي أخٌ جارودي، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: ما فعل أخوك الجارودي؟
قلت: هو صالحٌ مرضيٌ عند القاضي وعند الجيران في كل الحالات غير أنه لا يقول بولايتكم.
قال: ما يمنعه من ذلك؟
قلت: يزعم أنه يتورع.
فقال عليه السلام: أين كان روعه ليلة نهر بلخ؟ فقدمْت على أخي فقلت له:
ثكلتك أمك، دخلتُ على الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام وسألني عنك، فأخبرته أنك مرضيّ عند الجيران في الحالات كلها غير أنه لا يقر بولايتكم، فقال: ما يمنعه من ذلك؟
قلت: يزعم أنه يتورع.
فقال: أين كان ورعه ليلة نهر بلخ؟
فقال: أخبرك أبو عبد الله بهذا؟
قلت: نعم
قال: أشهد أنه حجة رب العالمين). وهذه الرواية في كتاب مدينة المعاجز ج 6 ص 57.
ومن ثم أخبره عما كان من معصيته تلك الليلة.
وهذه هي الهداية، وهي بيد الله تعالى؛ فإنه فعّال لما يشاء؛ لأن بيده الهداية والإضلال.
وهذه رواية أخرى ننقلها لكم:
في حرب النهروان – أللهم إلعن النهروايين – كان معسكر أمير المؤمنين علي عليه السلام قرب الحيرة، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد إنتخب مكاناً قريباً من الحيرة لمعسكره، وكذلك الخوارج إنتخبوا مكاناً قريباً من جهة أخرى للحيرة.
عن الحارث الأعور، قال:
< بيْنا أنا أسير مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الحيرة إذا نحن بديراني الناقوس، قال: فقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ قلت: الله ورسوله وإبن عم رسوله أعلم، قال عليه السلام: إنه يضرب مثل الدنيا وخرابها ويقول: لا إله إلا الله حقاً حقاً، صدقاً صدقاً، إن الدنيا قد غرتنا، وشغلتنا وأستهوتنا وأستغوتنا، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً، يا ابن الدنيا دقاً دقاً، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً، تفني الدنيا قرناً قرناً، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركناً، قد ضيعنا داراً تبقى وأستوطنا داراً تفنى، لسنا ندري ما فرطنا فيها إلا لو قد متنا.
قال الحارث: يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك؟ قال عليه السلام: لو علموا ذلك لما إتخذوا المسيح إلهاً من دون الله عز وجل.
قال: فذهبت إلى الديراني فقلت له: بحق المسيح عليك لما ضربت الناقوس على الجهة التي تضربها، قال: فأخذ يضرب وأنا أقول حرفاً حرفاً ما بلغ إلى قوله: إلا لو قد متنا، فقال: بحق نبيكم من أخبرك بهذا؟ قلت: هذا الرجل الذي كان معي أمس، قال: وهل بينه وبين النبي من قرابة؟ قلت: هو إبن عمه، قال: بحق نبيكم أسمه هذا من نبيكم؟ قال: قلت: نعم، فأسلم، ثم قال لي: والله إني وجدت التوراة أنه يكون في آخر الأنبياء نبي وهو يفسر ما يقول الناقوس>. كتاب بحار الأنوار ج24ص334.
يقول الشاعر: برغم الذي يمنعون العشق، فإن جمال وجهك موجه لنا.
ذاك الفضولي يعيبني على سكري وعشقي حيث يتعرض على أسرار علم الغيب.
وكما أن الولي المطلق هو مظهر الهداية الكاملة: (إهدنا الصراط المستقيم)؛ فكذلك هو مظهر الإضلال المطلق؛ فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء؛ ولا يشذ عن حيطة الولي المطلق أي ذرة من ذرات الوجود سواء على نحو الهداية أو على نحو الإضلال.
قد يقول جاهل إن هذا الكلام خلاف الإختيار الثابت في ناصية الإنسان، ولكن كلامنا نحن في مقام غير ذاك المقام؛ ففي المقام الذي يدور فيه الكلام عن الإختيار في مقابل الجبر، نقول بلسانٍ قاطعٍ أن الإختيار ثابتٌ للإنسان على نحو الأمر الدائر بين الجبر والتفويض كما هي المقولة المعروفة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أنه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، ولكن مقامنا هنا أرقى من ذاك المقام الأوّلي. هذا!!
نعم، قد يقال إنه وإن كانت الهداية بيد الله ولكن هنالك مقدمات إعدادية لا بد أن يقوم بها العبد لتلقي هذه الهداية، ولكن لا بد أنْ تلتفتوا أنه حتى هذه المقدمة الإعدادية هي بيد الولي.
إذاً، توجد هداية خاصةٌ بالولي المطلق وهي الجذب نحو المطلوب وليست إراءة الطريق ولا الإيصال إلى المطلوب، بل هي إيصال السالك الموالي المؤمن إلى الحقيقة التي تبحث عنها، بحيث يصير واحداً مع تلك الحقيقة المرادة.
فالهداية هي بنحوٍ أن يكون الإنسان في إثر الكبار من أولياء الله تعالى ومتبعاً لهم ومقتدياً بهم، لا أن يكون في إثر هواه ونفسه الأمراة بالسوء.
فهداية الأئمة عليهم السلام هي الإتصال بذواتهم صلوات الله عليهم، والتشيع لهم صلوات الله عليهم.
ومن هنا نجد أنه أمر السلوك المعنوي، من دأب الأساتذة والمربين أن يقرروا هذه الآية في نفوس مريديهم من أول الطريق؛ وهذه هي الهداية......
تبيع إن شاء الله غداً بمحاضرة ثامنة
نسألكم الدعاء وفي أمان الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يـــــــــــــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
24-10-2004, 12:20 AM
... المحاضرة الثامنة ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهمِ صلٍ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
رفع الظلمانية:
لا بدّ هنا من الإلتفات إلى مسألة دقيقة مرّت فيما سبق وهو أنه عندما قلنا إن الهداية كما الإضلال هما بيد الولي المطلق، فإن هذا لا يعني أن الولي المطلق هو سبب الظلم الذي يكون في وجود الإنسان، لأن الفيض الولائي والإلهي لا يصدر منه إلا كل خير ورحمة وَجُود.
إن نزول النورانية في قلب السالك لا يكون إلا بعد إرتفاع الظلمانية، وإلا فإن نور الولي أعز وأكرم من أنْ ينزل في ساحة ملوثة وظلمانية.
يوجد فرقٌ دقيقٌ بين الظلم الذي هو سبب عدم نيل الإنسان الفيض الإلهي ويؤدي به إلى الضلالة والبعد عنهم صلوات الله عليهم، وبين نفس الإضلال الذي يُنسب إلى الله وإلى الولي المطلق، فإنه يوجد بين مقامين فرقٌ دقيقٌ لا يدركه إلا أهل المعرفة والمعنى، ولو دخلنا في بحثه لخرجنا عن إطار بحثنا الحالي.
ولكن نقول أن الظلم الموجود قي نفس الإنسان هو ناتج عن نفس الإنسان وضعف وجوده، ولا يمكن أن ينسب إلى الله تعالى وأوليائه الكمل.
وهذا هو مفاد قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). سورة النحل الآية 118
وقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) س الرعد الآية11 يشر إلى هذه المسألة.
ههنا قاعدة سلوكية معنوية:
لو أراد مجرم إجتماعي ما أنْ يتخلص من آثار الجريمة التي إرتكبها فإنه لا مجال له للصلاح إلا أن ينسب كل عمل فعله إلى نفسه، فعند ذلك يصلح شأنه وأمره.
ومن هنا، لو أراد الإنسان أن يتوب إلى الله من كل عمل عمله، ويدخل إلى عالم النورانية وعالم ولاية أهل البيت عليهم السلام، فإن الشرط الأساسي لتحقق هذه التوبة وقبولها وخروج كل ظلمانية من نفسه هو أن ينسب السوء القبح إلى نفسه.
أنتم تجدون أنّ أكثر الناس ينسبون أخطاءهم إلى الآخرين، وتكون نتيجة هذه النسبة أنهم لا يوفقون لأي توبة ولا لأي عمل خير في المستقبل.
وما يمكن أن يعين عملياً على هذه الأمر هي نافلة الغفيلة، حيث أن الذكر الأساسي الذي يقال في هذه الصلاة هي قوله تعالى: (لا إله إلا أنت سبحانك أني كنتُ من الظالمين).س الأنبياء الآية 87.
وإذا أدى الإنسان حق هذه الآية فإن الجواب يأتي من الله تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين). س الأنبياء 88.
فلو نسبت كل تقصير إلى وجودك الضعيف، عند ذلك يأتي الفرج من الله تعالى وتتم النجاة.
التفتوا هنا إلى قوله تعالى: (وكذلك ننجي المؤمنين). س الأنبياء 88، وقابلوه مع قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً) س الإسراء الآية 82، تتبين تلك الحقيقة التي أشرنا إليها فيما سبق أن النجاة كما التنزيل بيد الولي المطلق، وسوف يتبين فيما يأتي إن شاء الله في المحاضرة رقم 25 أن كلّ فعلٍ وارد في القرآن بصيغة الجمع يُنسب للأئمة عليهم السلام، فما لم يكن هنالك إذن خاص من الولي المطلق بإنجاء فلان أو هدايته لا تتم أية نجاة أو هداية.
الظالم الحقيقي الأولى بالظلم حتى من فاعل الظلم هو الذي إنْ فعلاً قبيحاً نسبه إلى الآخرين، وبرأ نفسه منه؛ وهذا هو جذر الظلم وأساسه.
إن الموفقية هي في الإرتباط مع الله والرجوع إليه مع خلو اليد عن أي ظلم وظلمانية، فأي عمل سيء يصدر منك يكون غير لائق بالساحة الإلهية الرحمانية لا بد أنْ تضعه في رقبتك، وتنسبه إلى نفسك لا أنْ تنسبه إلى الله – نعود بالله من ذلك.
وحبذا لو يوفق أحدكم أن يكرر هذه الآية: (لا إله إلا أنت سبحانك إنت كنتُ من الظالمين) جوالل ليله حتى يستقيم أمره ويقبله الله وينجيه.
يقول الإمام زين العابدين عليه السلام إنه لو وفق شخصٌ لنافلة الغفيلة لقبل الله توبته، ولو كان قاتل الإمام الحسين عليه السلام؛ ولكن قاتل الإمام الحسين عليه السلام لا يوّفق إلى ذلك.
أللهم إلعن يزيد بن معاوية وإلعن عبد الله بن زياد.
إذا وصلك حُسنٌ فقل هو من عند الله، وإذا كانت سيئة فقل من عند نفسي؛ وأما العارف فيقول: (قل كل من عند الله)؛ ولكن هذه مقام شامخ في الشهود والمعرفة لا يمكن فهمه إلا من قطع مراتب الولاية والتوحيد.
تتبع إن شاء الله غداً بمحاضرة تاسعة
نسألكم الدعاء وفي أمان الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوك
يــــــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
24-10-2004, 09:04 PM
............المحاضرة التاسعة ..............
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
مصادق حقيقة الهداية:
الآن لو تأملنا في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا)، نسأل: من هو مصداق (نا) في هذه الآية؟
لا شكّ أن مصداقها الأوحد هو صاحب الزمان عليه السلام ولا شك أن مصداقها هو أمير المؤمنين عليه السلام وقد ورد في بعض الروايات أن كل مورد في القرآن يرد فيه المتكلم بصيغة الجمع، يكون مرجعه لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام.
وعندما نقول: (إهدنا الصراط المستقيم)؛ فلا شك كذلك أن مصداق الصراط المستقيم المعتمد مع الهداية هو أمير المؤمنين عليه السلام وقد وردت روايات كثيرة في هذا المضمون.
توجد روايةٌ أن الصراط المستقيم هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وروايةٌ أخرى أن الصراط المستقيم هي طريق أمير المؤمنين عليه السلام، وروايةٌ ثالثة أنّ الصراط المستقيم هو نفس أمير المؤمنني عليه السلام.
وهذا إشارةٌ إلى ما بيناه من أن الهداية حقيقةٌ وجودية لها تشكيك ومراتب، ومن هذا الباب وردت الروايات على هذا التفصيل.
وتفصيلُ هذه الهداية وظهور مراتبها ممتدةٌ من صاحب هذه الهداية على الإطلاق أمير المؤمنين عليه السلام إلى أشعة وظلال هذه الهداية السارية في وجود شيعة قائد الغر المحجلين ويعسوب الدين صلوات الله عليه وآله.
وببيانٍ آخر إن الله تعالى بقدرته وتمام ألوهيته قد صنع له أمثلةً عليا وكلماتٍ تامةً تنكشف بها صفاته.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام ما يبين هذه الحقيقة: (نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاًُ إلا بمعرفتنا ونحن والله الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه بالرأفة والرحمة).وهذا ما ورد في كتاب المختصر، الحسن الحلي ص 128.
بنفس هذا النحو، أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام قد صنعوا لأنفسهم مثلاً لهم يكشف عن ولايتهم.
فكما أن الله تعالى (ليس كمثله شيء)، فكذلك هم صلوات الله عليهم ليس كمثلهم شيء؛ وكما أنّ الله تعالى له ظهورٌ ذاتيٌ في ذواتهم المقدسة، فهُمْ صلوات الله عليهم لهم ظهوراتٌ ولائيةٌ في مقام ولايتهم المتجلية في نفوس شيعتهم.
وبعبارة جامعة نقول: كما أن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين هم أسماء الله تعالى، كذلك الشيعة هم أسماء أهل البيت صلوات الله عليهم.
فعندما نقول في الزيارة الجامعة: (فما أحلى أسماءكم)؛ المقصود أن لهم صلوات الله عليهم أسماءٌ حلوةٌ تكشف عنهم سلام الله عليهم، وهذه الأسماء هي أسماءٌ حقيقةٌ وهي شيعتهم وليست أسماءً إعتبارية؛ ومن هنا ما ورد في الرواية أن (شيعتنا حلويون)، ليس بمعنى أنهم يحبون أكل الحلوى، بل المقصود أنّ فيهم حلاوة وحسن لأنهم يكشفون عن الأئمة سلام الله عليهم.
وعندما نقول: (إهدنا الصراط المستقيم)؛ هو في الواقع طلبٌ لتنزيل تلك الحقيقة وهي الصراط المستقيم؛ فحقيقة (إهدنا) هي طلبٌ من الذاب المقدسة الأحدية أن تنزل علينا كل الألطاف الإلهية الموجودة في القرآن ببركة الشيعة الذين هم أسماء الأئمة عليهم السلام، والمشار إليهم بضمير (نا).
كلّ من يتصف في هذا العالم بوصف الولي أو بوصف الشيعي الكامل هو مصداقٌ لمطلوب متعلق بـ(إهدنا)؛ أي أن (نا) تشير إلى مطلوبٍ تتجلى بطلبه هذه الهداية وتصبح ذات أثرٍ في وجود المصلي والطالب؛ فكما أن الله عز وجل صنع له مثلاً عليا وكلمات تامة؛ فالأئمة عليهم السلام قد صنعوا لأنفسهم مثلاً عليا وكلمات تامة؛ فلهم صلوات الله عليهم أسماء تعينية وهي متجلية في (نا) إهدنا؛ ومن هنا لا يمكن أن تصل الهداية التي يطلبها المصلي إلا أنْ تكون بيد شيعة أمير المؤمنين عليه السلام؛ وهذا هو قدر الشيعة، بل هم أعظم من ذاك؛ وهم في الواقع مصداق: (ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون). آل عمران الآية 169
فإن الشيعة هم الأحياء الذين يبثون الحياة في نفوس الناس الذي لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
تأتي عدةٌ من شيعة جبل عامل إلى الإمام الصادق عليه السلام فيقول لهم: (والله إني لأحب ريحكم وأوراحكم ورؤيتكم وزيارتكم وإني لعلى دين الله، ودين ملائكته، فأعينوا على ذلك بورع؛ أنا في المدينة بمنزلة الشعيرة أتقلقل حتى أرى الرجل منكم فأستريح إليه) بحار الأنوار ج 61 ص29.
هذه الرواية لا تذكر في مجالسنا، وهل تعلمون لماذا؟
لأن الشيعة إذا كانوا معروفين في البلاد، سوف تكون كلها مدناً فاضلة؛ وهذا هو النظام الولايتي، ولكن الناس لا تقبل أنْ يكون الشيعة همن الحاكمون ف يالمدن الفاضلة.
الشيعة مظلومون على مر التاريخ، ولا يوجد من هو أشد مظلومية منهم.
أيها الموالي لا تظن أن التشيع قد نشأ في زمان متأخر، بل نحن شيعة من عالم الذر، ومن قبل عالم الطبيعة.
أيها الشيعي المنكر؛ نحن نقول لك إنك كنت من عالم الأشباح شيعياً.
والنبي إبراهيم (ع) أول شيعي من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام: (وإن مكن شيعته لإبراهيم).
إن الشؤون العظيمة التي تذكر لآل الله صلوات الله عليهم ولشيعتهم هي قطرة من بحارهم، ولا يمكن إدراك واقع أمرهم سلام الله عليهم.
ورد في الدعاء المعروف: (اللهم ! إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرك المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك وأركانا لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان، يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك) - مصباح المتهجد- الشيخ الطوسي ص 803
الآن، لا يشكل جاهل قد أظلم الله على قلبه ويقول إن هذا الكلام كقرٌ ومستلزم للشرك، لأنهم هم أنفسهم صلوات الله عليهم قد قالوا: (إجعلونا مربوبين وقولوا في حقنا ما شئتم)؛ فإن أساس التوحيد محفوظٌ، بل نقول أنّ أساس التوحيد لا يُحفظ إلا بنسبة كل هذه الصفات وكمالات الوجودية للولي المطلق، وإلا فعدم نسبة هذه الحقائق الوجودية والصفات الكمالية لهم صلوات الله عليهم مستلزمٌ للكفر والشرك بالله العظيم.
وقد ورد عنهم صلوات الله عليهم: (نزهونا عن الربوبية وادفعوا عنا حظوظ البشرية فلا يقاس بنا أحد من الناس فإنا نحن الاسرار الالهية المودعة في الهياكل البشريه والكلمة الرابانية الناطقة في الاجساد الترابيه وقولوا بعد ذاك ما استطعتم فان البحر لا ينزف وعظمة الله لا توصف) شرح الزيارة الجامعة- السيد عبد الله الشبر ص 201.
في هذه الكلمات توجد معانٍ عرفانية عالية لا يقدر على فهمها إلا من رزقه الله العوم والقدرة على الغوض في بحر ولايتهم صلوات الله عليهم.
فمنْ ليس له القدرة على الغوص في الماء، لا يمكنه أنْ يفهم الحقائق، ومن هنا لا بدّ من تنزيل هذه الحقائق حتى نفهمها، وإلا تبقى غير مفهومة.
ومن هذه الحقائق الكاشفة عن مقامهم الشامخ أنّ نفس القرآن قد أشار إلى ربوبية مولاتنا الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم (فصلِّ لربك وانحر)، فمولاتنا فاطمة سلام الله عليها هي ربّ الرسول صلى الله عليه وآله لأنها أم أبيها، فإن الكوثر الذي أعطاه الله للرسول وهو ظهور مولاتنا الزهراء فاطمة سلام الله عليها هو تنزيل الربّ الذي أمره بالتوجه إليها.
نطلب من الله تعالى أنْ يوفقنا لكل خير بحق شيعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
وإلى هنا تم الكلام في معنى الهداية وحقيقتها.
تتبع إن شاء الله غداً بمحاضرة عاشرة حول أقسام الهداية....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يـــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
25-10-2004, 10:00 PM
... المحاضرة العاشرة ... أقسام الهداية ... معنى القرآن ... آثار القرآن وخواصه ...
ويوجد في آخر هذه المحاضرة لطيفة حول سورة الحمد وقيمتها.
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
قسما الهداية:
إن الهداية على قسمين؛ تارة تكون هدايةً عامةً تشمل وتعم كل الناس، ولا تختص بطائفةٍ دون أخرى، وأخرى تختص بطبقة وفئة من الناس دون غيرهم، وأما الأولى فهي هداية القرآن، والثانية هي هداية الكتاب؛ وسوف يجري الكلام بإذن الله تعالى حول هداية القرآن، ومن ثم يكون الكلام بعد ذلك حول هداية الكتاب.
ولكن قبل البحث في هداية القرآن، لا بدّ من بيان معنى القرآن وتمييزه عن الكتاب حتى تتضح المطالب المبحوثة.
معنى القرآن:
ظاهر القرآن الذي يدور الكلام والبحث حوله هو الذي نقرأه ونحفظه ونستخير به ونفسره؛ وهو الذي نجعل نسخة منه مهراً للزوجة، وهذه هي مرتبةٌ من مراتب القرآن.
وهذا في الواقع إشارةٌ إلى القرآن، لكن حتى يتضح معنى القرآن، نقول إن القرآن من الناحية اللغوية هو ما يقرأ، وما ورد في أول ما نزل من القرآن على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى هذا المطلب: (إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * على الإنسان ما لم يعلم). العلق الآية 1-5.
ثم إن كلام الله عندما ظهر وتنزل إلى ما هو عليه الآن، صر مجموعة القرآن، فالقرآن هو مجموع الوحي والإلهام على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهذه مرتبة ثانية منه.
ولو أراد شخص الإستفادة والتدبر في معنى القرآن، فلا بد له من قراءة آياته؛ فنفس قراءة القرآن لها أثرٌ وإنْ كانت هي قراءة اللفظ، ولكن بإعتبار أنّ هناك إرتباطاً وعلقةً بين اللفظ والمعنى فإن قراءة القرآن مع تحقق بعض الشروط المعينة سوف يفتح باباً لإدراك المعنى.
وللدلالة على العلقة القائمة بني اللفظ والمعنى نضرب مثالاً فلو شمتك أحدهم، فإن شتمه لك لا يتعدى لفظه، ولكنْ مع ذلك فإنك تتأثر بكلامه وقد ترتب عليه أثراً عملياً من ضربه أو ما شابه؛ وكذا لو مدحك شخص فإن مدحه لك وإنْ كام مجرد لفظ، ولكنه يؤثر على نفسك؛ وهذا أمرٌ واضحٌ في تأثير الوجود اللفظي على النفس، وهذا مرتبط بالعلقة القائمة بين اللفظ والمعنى في عملية الوضع اللفظي.
وهذا يشير إليه القرآن الكريم في أول سورة الرحمن حيث يشير تعالى وتقدس إلى أهمية البيان في إظهار الحقائق والكشف عن المعاني.
(الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان) سورة الرحمن الآية 1-4.
وهذا إرتباط مشهودٌ في كثير من العلاقات الإجتماعية الفردية حيث نجد أنّ الله تعالى قد جعل الإرتباط الشرعي بين المرأة والرجل بعقدٍ لفظي، فاللفظ في هذا المورد هو الذي يُخرج هذه العلقة من حالة السفاح إلى النكاح.
الآن، إنظر إلى قراء العزاء والمداحين، فقد تجد من يقول لفظاً وله فصاحة وبلاغة وآخر قد يقرأ المدح والعزاء ولكنْ لا فصاحة له ولا بلاغة؛ ولو تأملت تجد أنّ تأثير من له قدرة على بيان الألفاظ بنحوٍ أوضح يعلو من لا قدرة له على ذلك؛ وهذا أمر مشهودٌ، فكل من يمكنه أن يؤدي مخارج الحروف على نحوٍ سليم وبليغٍ يكون له وجودٌ روحيٌّ قويٌّ؛ أيْ أنّ القوة في مقام البلاغة تكشف عن القوة في الوجود الروحي والباطني.
ولهذا ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (أنا أقصح من نطق بالضاد).
وذلك أنّ لفظ الضاد صعبٌ، ومن هنا يقولون إنّ من علامات السيادة والإنتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله القدرة على النطق بالضاد بنحوٍ صحيح، حيث أن السادة أقدر على النطق بالضاد من غيرهم.
إذاً، في الخطاب من الأمور المهمة التي تجعل الإنسان ملسطاً على الآخرين نفسياً، من فوائد تعليم الناس قراءة القرآن الكريم أنْ تكون لهم قدرةٌ وسلطنةٌعلى الخطاب مع الآخرين وتبليغ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
يُستحب في شهر رمضان قراءة القرآن، إذ تقوى قدرة القارئ على التلفظ والتكلم، مما بجعله قادراً على التصرف في نفس كل مخاطب.
أللهم إجعلنا من أهل المعرفة وأهل البصيرة وأجعلنا ممن نستفيد من هذا الشهر.
آثار القرآن وخواصه:
للقرآن أثارٌ وخواص عديدة؛ يقول تعالى في كتابه الكريم: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً). الإسراء الاية 82.
لا شك أنّ القرآن يشفي من الأمراض الجسمية والأمراض الروحية؛ ولكن البعض قد يقرأ بعض الآيات ولا تشفيه قراءتها،بلْ لعله قد يزداد إرهاقاً فوق مرضه لأنه يكون قد أطال قراءة آيات القرآن.
على كل حال، القرآن بنفسه يقول بأنه شفاء؛ ولكنْ قد تقول أنّ القرآن لو كان كذلك فإن كل مرض لا بد أنْ يزول بالقرآن ومن هنا نحتاج إلى المطبّات الصحية ولا إلى أي علاج آخر؛ ولكنْ مع كل هذا نجد أنّ المرض موجودٌ والمطبّات موجودةٌ مع وجود القرآن.
فلا بدّ أن نسأل بنحوٍ أوضح أن الشفاء المذكور للقرآن هل هو على نحو معين؟
لتحقيق هذا المطلب والإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أنْ نلتفت إلى تمام الآية الكريمة وبعض الحيثيات المأخوذة فيها الوراد فيها ذكر الشفاء.
يقول تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة).
فالشفاء عنا مرتبطٌ بمقام في قوله: (وننزل...)؛ بمعنى أنه حتى يكون الشفاء نتيجةً لقراءة القرآن، لا بد أنْ تكون حيثية التنزيل موجودةٌ، وهذا هو سر الأمر.
وبعبارة أخرى نقول أولاً: حتى تكون قراءة القرآن محققة للشفاء، لا بدّ أنْ يكون المنزِّل للقرآن هو المعطي للشفاء، وإلا فما لمْ يكن الشفاء منزَّلاً من المنزِّل، فإنه لا يتحقق.
ثانياً: قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) يشير إلى أن الهداية تشترط طرفين، الطرف الأول هو نفس المنزل، وأما الطرف الثاني فهو المجاهد فيهم، أي لا بد أنْ يكون هناك مجاهدةٌ لتلقي هذه الهداية.
ثالثاً: لا بد من الإلتفات إلى مسألةٍ مهمةٍ وهي أنّ كل مورد في القرآن يُذكر فيها الفاعل على نحو الجمع، يكون المعنى بهذا الفعل أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم.
وهو مدلول رواية المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال له عليه السلام أنه في أي مورد في القرآن الكريم ترد صيغة الجمع فهو بمعنى أنّ الله قد خلطنا بنفسه وقرننا به تعالى وتقدس.
ومن هنا فما لم يكن هناك إذنٌ خاصٌ من الإمام المعصوم عليه السلام لا يمكن أنْ تتنزل أي رحمةٍ خاصةٍ أو عامةٍعلى حدّ سواء، وهذا يعني أنّ الآثار الخاصة التي تكون للقرآن الكريم في الشفاء وغيرها منْ أمور الهداية لا بدّ أن تكون بيد ذاك المقام الشامخ الغائب عن معرفة الناس في حقيقته، والذي يتنزل بحسب الظهورات الخاصة في الوجودات النازلة.
لذا عندما يقول الله تعالى: (شهر رمضام الذي أُنزل فيه القرآن)، التنزيل الفعل مجهولٌ فيه، وذلك بسبب أن حقيقة المقام الذي تم منه التنزيل ليست معلومة؛ ومن ثم عندما يقول تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة)، فهذا إشارة إلى انهم ينزلونه لمنْ شاؤوا؛ فالهداية الخاصة في القرآن مربوطةٌ بمشيئتهم صلوات الله عليهم، ومنْ هنا يتضح لكم معنى قوله تعالى: (ولا يزيد الظالمين إلا خساراً)؛ وذلك بمعنى أنه كما أنّ الهداية هي بمشيئتهم صلوات الله عليهم، كذلك الإضلال بيدهم صلوات الله عليهم.
ورد في زيارة صفوان الجمّال لأمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وآله: (السلام على وجه الله الذي من آمن به أمن، السلام على نفس الله القائمة فيه السنن وعينه التي من عرفها يطمئن، السلام على أذن الله الواعية في الأمم ويده الباسطة بالنعم) بحار الأنوار ج 97 ص 331.
( السلام على إسم الله الرضي ووجهه المضيء، السلام على نفس الله القائمة فيه بالسنن).
وبعبارةٍ واضحةٍ، الآية: (والذي جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) تريد أنْ تقول إنّ منْ جاهد فينا أهل البيت صلوات الله عليهم لنهدينهم سبلنا أهل البيت صلوات الله عليهم، والشفاء هو من هذه الهداية.
يقول السيد أحمد الموسوي النجفي أن أستاذه الكبير السيد محمد مرتضى الكشميري رضوان الله عليه قال له مرة: يا سيد أحمد، قرأت في بعض الروايات أنه من قرأ سورة الحمد على مريضٍ، فإن ذلك المريض يشفي؛ وتوجد روايةٌ أخرى أنه منْ قرأ سورة الحمد على مريضٍ سبع مرات، فإنه يشفى؛ وتوجد روايةٌ أخرى أن من قرأ سورة الحمد على مريض سبعين مرة، فإنه يشفى؛ وتوجد روايةٌ رابعةٌ أنه لا عجب لو قُرأت سورة الحمد على ميت وعاش.
ورد في رواية عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: (لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان ذلك عجباً). أصول الكافي كتاب فضل القرآن الحديث 16.
يقول السيد الكشميري إنه كان فصل الصيف، فوقعت ذبابةٌ على ركبتي، فضربتها فماتت؛ فقرأت عليها سورة الحمد، فعاشت وطارت لتوها؛ ثم أتيت بدجاجةٍ كانت عندنا، فذبحتها بعد أنْ وجهتها إلى القبلة طبق الموازين الشرعية حيث لمْ ينفصل رأسها عن بدنها، فبعد أن سال الدم منها، قرأت عليها سورة الحمد، فما لبثت أن نفضت جناحيها وقفزت وذهبت في طريقها.
يقول السيد أحمد النجفي أن قال له السيد الكشميري إنه لو كان يوجد عند المرء يقينٌ أكثر لأحيى الموتى، ولا عجب في الأمر.
الآن إقرأ هذه الآية، وإنظر كيف تبدل معناها في نفسك؟
(وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين).
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الحادشة عشر حول مرادوات الوصال الثالث والإمام علي عليه السلام.
نسألكم الدعاء وفي أمان الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــــــــــا
سلوة الفؤاد
26-10-2004, 04:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكرك أخي الفاضل وجزاك الله خير الجزاء وجعله في ميزان حسناتك
تحياتي :
سلوة الفؤاد :rolleyes:
يا علي مدد
27-10-2004, 12:08 AM
أولاً أنا أشكر الجميع لردودهم اللطيفة ولمتابعتهم لموضوع
... المحاضرة الحادية عشر ... مراودات رائعة ومهمة ولطيفة ....
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
مرادوات الوصال الثالث:
المراودة الأولى: الإمام علي عليه السلام عين الحياة:
يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (من أراد أن ينظر إلى ميْت يمشي على الأرض فلينظر إلى علي بن أبي طالب (ع)).
وهذا الموت المنسوب له صلوات الله عليه هو الحياة الحقيقية.
ولكنْ هذه الحياة المنوسبة له سلام الله عليه هي من شؤون الشيعة وليست من شؤونهم، بل شؤونهم أعظم من هذا بكثير؛ بل الإمام علي عليه السلام ليس فقط حياً، بل هو محيي؛ فكل شخص يحيي في هذا العالم إنما يحيي بالحياة العلوية والدم العلوي.
المراودة الثانية: مودة الشيعي:
إذا أردت أنْ تتعرف أكثر على الشيعة، لا يمكنك أنْ تغفل عنْ صفة المودة الخاصة الموجودة عندهم؛ فقد ورد أنْ: المؤمن بين يدي الغسّال يقلبه كيف يشاء.
وروي كذلك: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيق يشاء). كتاب نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري ج 2 ص 291.
فالوداد الموجود عند المؤمن يجعله ليناً بين يدي الرحمة الإلهية؛ والشيعة ليسوا ودودين لأهل ملتهم فحسب، بل هم كذلك بالنسبة إلى كل الوجود؛ ولكن ههنا إستثناء لا بدّ أنْ لا نغفل عنه، وهو أعداء آل محمد فإنهم خارجون عن هذا الود؛ (أللهم وال من والاه وعاد من عاداه)؛ فهذا حدٌّ في المقام لا يمكن أنْ نخرج عنه.
المراودة الثالثة: هداية القرآن:
روي أن الإمام علي عليه السلام مرّ برجل يخيط وهو يغني، فقال له: (يا شاب لو قرأت القرآن لكان خيراً لك).
فقال: إني لا أحسنه، ولوددت أني أحسن منه شيئاً.
فقال: أدن مني؛ فدنا منه فتكلم في أذنه بشيء خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه، يحفظه كله). وهذه الرواية منقولة في كتاب مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج 2 ص 19.
ولكن هذا الشاب عندما تلا آيات القرآن، وإنتهي من تلاوتها، قال: صدق الله العليُ العظيم، وهنا إشارة إلى أن الفتى ذكر العليّ مقرونة بالعظيم وهذا ما يحذفه المخالفون إشارة أنه تعلم القرآن من العليّ.
كل من وصل إلى الهداية، يمكنه أنْ يتعلم القرآن بهذا النحو الذي تعلمه ذلك الشاب.
المراودة الرابعة: الغناء المحرم:
يسأل الإمام عليه السلام عن الغناء المحرم؛ فقال عليه السلام:
(قراءة القرآن بصوت مخالفينا هو الغناء المحرم).
الآن يمكنكم نقل هذا الحديث، ومن يقول لكم ما هو سنده؟ قولوا أخذناه من السيد أحمد الموسوي النجفي.
فإن سماع القرآن بصوت المخالفين محرّم.
المراودة الخامسة: الفيض الكاشاني:
ليس المورد ذكر بعض تفاصيل حياة الفيض رضوان الله عليه، ولكن نقول أن الفيض الكاشاني من مفاخر الشيعة؛ وقد أعطى للعلم كثيراً، فكان فقيهاً متكلماً فيلسوفاً مفسراً وعارفاً؛ وكان تلميذا للملا صدرا؛ وللفيض عدة كتب منها تفسير الصافي والأصفى والمصفى.
كانت تحصيلات الفيض في قم، ولكن ما لبث أن فرّ من قم المقدسة من الأذية التي تعرض لها حيث قال بعض الناس بكفره؛ فأتى إلى مسقط رأسه حيث أنزوى وحقق تحقيقاته.
لكن شخصاً كان ممن أذى الفيض الكاشاني، والتفت بعد رحيل الفيض من قم إلى كاشان إلى ما قام به من عمل سيء تجاهه، فتوجه مشياً على الأقدام من قم إلى كاشان وإعتذر من الفيض الكاشاني وطلب منه المعذرة.
عندما وصل ذاك الشخص إلى بيت الفيض في كاشان، دق الباب فسأله الفيض: من الطارق؟ فقال له الرجل: (يا محسن قد آتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عنده بجميل ما عندك)؛ ومن اللطيف أنّ إسم الفيض الكاشاني كان محسناً.
فقال له الفيض إني لست شيئاً، فلا بد لله أنْ يغفر لك ولا بدّ أنْ تعتذر إليه، فقلبي لم يتأثر أبداً بما قمت به؛ فطلب منه أنْ يدعو له بالمغفرة، ولكن أردف الفيض أني حيث قد عفوت فيكون الله قد عفا عنك.
وكان أحد الأشخاص قد طلب من السيد أحمد النجفي أن يقوم بتعمير قبر هذا الكبير لمعرفته بكاشان، فعندما قرأ وصيته، وجد أن نفس الفيض كان قد طلب أنْ يجعل قبره تحت السماء والشمس، فلم يكن يرد هذا الكبير أنْ يعمر قبره.
ويقول السيد النجفي إعلموا أن زيارة قبور هؤلاء الكبار لها أثر كبير في السلامة القلبية والبدنية، لا تتركوا هذا العمل أبداً.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الثانية عشر حول الوضال الرابع في هداية الكتاب.....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
27-10-2004, 11:03 PM
... المحاضرة الثانية عشر حول الوصال الرابع في هداية الكتاب ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
الوصال الرابع
في هداية الكتاب:
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) سورة البقرة الآية 285
تبيّن أنّ هداية القرآن هي للعموم (هدى للناس)؛ وأما هداية الكتاب فخي للخواص (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)؛ فالوصول إلى الكتاب لا يكون إلا للمتقين، وأما الوصول إلى الهداية القرآن فهم العموم؛ فحتى من كان منكراً للأصول من التوحيد والنبوة الولاية يمكنه أنْ يستفيد من ظاهر القرآن يمكن الإستفادة منها من قبل العموم، وأما الكتاب فلا طريق للإستفادة إلا إذا كان من المتقين؛ وقد وصف الله المتقين في القرآن، حيث قال تعالى في أوّل سورة البقرة:
(بسم الله الرحمن الرحيم * ألم * ذلك الكِتابُ لا ريبَ فيه هدًّى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يُنفقون). سورة البقرة الآية 1-3.
ومعرفة صفات المتقين هي المفتاح للإستفادة من هذا الكتاب الإلهي، وسوف نقيم بإذن الله، وصالاً كاملاً للحديث عن وصف المتقين.
الآن ننقل روايةً ينقلها السيد الخوئي في مقدمة تفسيره، وهي مروية عن الكتب المعتبرة:
عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لأبي حنيفة: (أنت فقيه أهل العراق؟)
قال: نعم؟
قال عليه السلام: (فبأي شيء تفتيهم؟)
قال: بمتاب الله وسنة نبيه.
قال عليه السلام: (يا أبا حنيفة لقد إدعيت علماً – ويلك – ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم، ويلك ما هو إلا عند الهاص من ذرية نبينا محمد صلى الله عليه وآله وما ورثّك الله تعالى من كتابه حرفاً.) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 27 ص 48.
أبو حنيفة كان من طلاب الإمام الصادق عليه السلام؛ ولكنه كان غير مؤدب مع أستاذه، وهذه آفةٌ كبيرةٌ في التعلم، فإنها تورث الضلال والإنحراف.
أبو حنيفة كان يعرف قراءة القرآن، وكان يستخرج بعض الأحكام والأمور الأخلاقية من القرآن، ومع ذلك يقول له الإمام الصادق عليه السلام: (ما ورثّك الله كم كتابه حرفاً).
عجيب!! أبو حنيفة كان يقرأ القرآن وكان حافظاً له، ولكن لم يكن له أيّ إرتباط بالكتاب، بل لمْ يأخذ من كتاب الله حرفاً كما يقول الإمام الصادق عليه السلام، مع أنه كان ممن بحث وحقق في القرآن!
وعلى هذا المنوال توجد روايات كثيرة أنّ المعرفة بالكتاب لا تكون بالتعلم ولا بالتعليم والبحث والتحقيق؛ بل إن معرفة الكتاب لا تكون إلا بتحقق شرائط معينة لا بدّ أنْ تكون متوفرةً في الإنسان حتى يكون مستعداً للإستفادة من الكتاب الإلهي.
معنى الكتاب ومصداقه:
من هنا لا بدّ لنا أن نحدد معنى الكتاب الذي هو مورد البحث هنا حتى لا تختلط الأمور. يقول تعالى في كتابه الكريم: (ذلك الكتاب لا ريب فيه)؛ في نفس هذه الآية، عرّف الله تعالى الكتاب بقوله: (لا ريب فيه)؛ وهو صفٌ لازمٌ لحقيقةٍ ثابتةٍ لا تتغير.
فليس الكتاب مجموع الورق المخطوط عليه، بل الكتاب هو الحقيقة الثابتة التي لا تتغير.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا الكتابُ لا ريبَ فيه)؛ فالكتاب الذي هو الحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل هو حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام قائد الغر المحجلين يعسوب الدين. ويقول الإمام الحسن العسكري عليه السلام في قوله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) الكتاب أمير المؤمنين والمتقين شيعته، في كتاب مناقب آل أبي طالب لإبن شهرآشوب ج 2 ص 141.
ونُسب له عليه السلام:
وقد نسب له عليه السلام:
أتزعم أنك جرمٌ صغيـرٌ وفيك إنطوى العالم الأكبر
وأنت الكتابُ المبينُ الذي بحروفه يُعــرف المُضمر
قد يأتي قائلٌ ويقول إنّ هذا الشعر لا سند له، ولكن نقول إنه لا نحتاج إلى تحقيق سند هذا الشعر، لأن هذه الكلمات لا يمكن أنْ تكون لغير صاحب الولاية الكلية والمطلقة أو ممن أخذ النور من أميره صلوات الله عليه وآله؛ فالإنسان الكامل هو حقيقة الكتاب؛ وكثيرٌ من الروايات يمكن أنْ تُنقح على هذا المنوال ولكن الأمر يحتاج إلى ذوقٍ خاصٍ ولا يمكن أن يتيسر لأي شخص هذا الذوق الخاص.
ثم إن هذا الكتاب الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل له عدة شؤون، منها أنّ هذا الكتاب يجمع كل الحقائق والأعيان الموجودة في هذا العالم، بإعتبار أنّ كلّ الأشياء إنما ظهرت من وجود هذا الكتاب، المعتبر عنه بالإمام في قوله تعالى: (وكلُ شيءٍ أحصيناه في إمامٍ مبين). سورة يونس الآية 61.
يقول تعالى في عدة آيات من الكتاب العزيز: (ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين). الأنعام الآية 59؛ و ( وكل شيء أحصيناه في إمامٍ مبين) يونس الآية 61؛ و (كتابٌ مرقوم، يشهده المقربون) المطففين الآية 20-21.
وخصوصية أخرى لهذا الكتاب أنه لا يناله إلا المقربون الذي وصلوا إلى الطهارة الكاملة للنفس، بنحو أن أنفسهم صارت مرآةً تتجلى فيها حقائق التوحيد الولاية؛ فالمقربون هم الذين ليس لهم أي غفلة ولا بعد عن الحق تعالى ولو للحظة واحدة؛ وهم قد وصلوا إلى حقيقة الشهود.
ومن هنا لو قلنا إن الكتاب هو الوجود المقدس لأمير المؤمنين عليه السلام وأولاده المعصومين، فهو المصداق الأتم لهذا الكتاب، ولو قلنا إن الكتاب هو نفس الإنسان الموالي المتصل بوجود المولى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو صحيح.
في سنةٍ من السنوات التي يقول السيد أحمد النجفي: كنت في النجف وكانت أول ليلة من ليالي شهر رمضان، كنت خارجاً من حرم أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإيوان الخارجي، فوصلت إلى المرحوم السيد علي القاضي قدس سره الشرسف؛ سلمت عليه فسألني في تلك الليلة عن أحوالي بعنايةٍ خاصةٍ ثم سألته عن أحواله وطلبت منه أنْ يدعو لي بدعاءٍ خاص؛ فقال لي: ما تريد أن أعدو لك؟
قلت له إنّ وضعي التحصيلي ورشدي الخاص يشير إلى أني قد أكون في وضع المرجعية؛ فقد كنت آنذاك مدرساً، وكنتم معروفاً في أوساط الأفاضل؛ قلت له أنْ يدعو لي أنْ أكون آمناً من الآفات التي يمكن أن ترد عليّ.
فقال لي السيد علي القاضي إنه سوف يدعو لي أن أوفق لهذا الأمر، وأنْ يبقى ديني محفوظاً وأنْ أكون سالماً من الآفات؛ فعندما لاحظت لطافته معي، طلبت منه أنْ يعطيني عملاً أقوم به في شهر رمضان؛ وإنْ لمْ يكن لي إعتقاد بنفس ذاك العمل الخاص، ولكن جذجذبة السيد علي القاضي جعلتني أطلب هذا المطلب.
فقال لي: إقرأ سورة القدر في كل ليلة من ليالي شهر رمضان ألف مرة؛ وسوف يحصل لك كشفٌ معرفي لا تجده في كتاب ولا عند أحد، ولا يمكن التعبير عنه بالألفاظ والكلمات.
فبمجرد أنْ أرشدني إلى هذا العمل ذهبت إلى صحن أمير المؤمنين عليه السلام وشرعت في هذا العمل الخاص، ثم نظمت الأمر بنحوٍ أفضل في الليلة الثانية.
وفي ليلة ثلاث وعشرين كنت مشغولاً: ( بسم الله الرحمن الرحيم، إن أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلامٌ هي حتى مطلع الفجر). سورة القدر الآية 1-5.
وكنت قد جلست في مقابل إحدى تلك الغرف الداخلية، ووضعت العباءة على رأسي حتى لا يأتي أحدٌ ويسأل عن أحوالي فيشغلني بذلك عن ذكري.
لم أكنْ قد أكملت هذه البسملة بعدُ، ولا أعلم في أي مئةٍ كنت، فرأيت نفسي قد ولدت من بطن أمي، ومن تلك اللحظة التي كنت في جالساً أقوم بذكري شاهدت التفاصيل حياتي التي مرت عليّ من ذهابي، مجيئي، أكلي، شربي، لباسي إلى كل تفصيل من تفاصيل حياتي، ورأيت لحظة ورودي إلى النجف، وما درست وما درّست وكل ما ورد في حياتي من أولها إلى تلك اللحظة التي كنت فيها جالساً في صحن أمير المؤمنين عليه السلام أقرأ سورة القدر؛ ثم سمعت في تلك اللحظة الأخيرة من على المئذنة أن السيد الخوئي نور الله مرقده قد توفى وأنّ من أراد أن يشارك في تشييع الجنازة فليتوجه إلى المكان الكذائي؛ فبحثت عن السيد القاضي ولكني لم أجده في تلك الليلة، فذهبت إليه في اليوم الثاني، فرويت له ما حدث معي، فقال لي أنْ قد نلت نصيبي من المعرفة في هذا الشهر، ولو أكملت لنلت أكثر من ذلك، ومن ثم قال لي إنه يوجد لدينا طريف غير هذا الطريق.
هذا شهودٌ وهو من معرفة الكتاب: (يشهده المقربون)؛ ولكن ما لمْ تكن الطهارة متحققة في وجود السالك لا يمكن أنْ يشهد هذا الكتاب الإلهي الموجود في النفس.
يقول تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون)؛ فما لم تكن الطهارة متحققة في وجود السالك، لا يحصل هذا الشهود.
وبيان أن تحصيل الطهارة سوف نشير إليه إن شاء الله في باب آخر.
إذا الكتاب ليس هو الخطوط المرسومة والمنقوشة، بل هو الحقيقة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، الكامنة في النفس الإنسانية المتصلة بولاية أهل بيت العصمة والطهارة.
ثم إن من خصوصيات الكتاب أنه معروف لدى كل الناس بنحوٍ فطري، ولكن قد لا ينكشف عليهم إلا بشرائط خاصة لا بدّ أن تتوفر في نفس الإنسان.
يقول تعالى في كتابه الكريم: (الذين آتيناهم الكتاب)؛ فلو كان الكتاب هو الخطوط، لما قال جلّ ثناؤه: (يعرفونه كما يعرفون أنبائهم)؛ بل الكتاب موجود في نفوسهم كما أن أبنائهم كذلك.
والحيوانات كذلك؛ كلها لها معرفةٌ بالكتاب؛ فلو فرّقت أولاد الحيوان عن أمها، تجد أنه يرجع إلى أمه، وهذا معرفة الكتاب.
والذي يشير إلى كون هذا الكتاب الإلهي ثابتٌ لا يتغير قوله تعالى: (كتاب مرقوم)؛ فهو بمعنى أنه له حقيقةً ثابتةً أي له رقمٌ ثابتٌ ولا يمكن تغييره؛ فكل الكتاب التي تتبنى الآراء بعد ذلك، ولكن هذا الكتاب الإلهي مرقوم ثابت غير متغير.
وهذا هو معنى أنه لا يمسه إلا المطهرون، لأن المطهّر يكون منزهاً عن كل تغير ناشئ من أنجاس عالم الدنيا، فذاك الكتاب لا يمسه إلا المطهرون؛ لأنه الحقيقة الثابتة في ذوات المؤمنين...
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الثالثة عشر حول الإيمان بالغيب هو الإيمان بالإمام عليه السلام.....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
29-10-2004, 09:52 PM
... المحاضرة الثالثة عشر حول الإيمان بالغيب هو الإيمان بالإمام عليه السلام ... محاضرة صغيرة ولطيفة جداً ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
الإيمان بالغيب هو الإيمان بالإمام عليه السلام:
ولكن أول شرط المتقين لدرك وفهم وشهود الكتاب هو الإيمان بالغيب، وهو مفاد قوله تعالى: (يؤمنون بالغيب). سورة الأنعام الآية 73.
إرتباط الناس من المؤمنين والأولياء مع الغيب يكون بالإيمان؛ وأما إرتباط ذات الباري تعالى مع الغيب يكون بالعلم؛ وعلمه تعالى هو عين ذاته.
يقول تعالى: (عالم الغيب والشهادة)؛ وهذه هي موقعية القيب بالنسبة إلى الله تعالى؛ وأما نفس صاحب الغيب فهو الغائب، وهو متجلّ في الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فهو الغائب الذي لا يدركه كنهه، وأما إرتباط الشيعة معه صلوات الله عليه فتكون من جهة الإيمان به صلوات الله عليه.
ويشير إلى هذا المطلب ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (ظاهري هذا ولايتكم وباطني غيبٌ لا يدرك).
وورد كذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديثه عن شأن الإمام قوله عليه السلام: (... مطهر من الذنوب مبرأ من العيوب مطلع على الغيوب، ظاهره أمرٌ لا يملك، وباطنه غيبٌ لا يدرك).
فالإمام عليه السلام هو نفس الغيب في وجوده المقدس بالنسبة لغيره؛ وأما هو سلام الله عليه فلا غيب عنده أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً لأنه نفس الغيب، فهو عالمٌ بنفسه.
فمعرفتهم صلوات الله عليهم هي فقط من نصيبهم لأنهم يعلمون بذواتهم بالعلم الحضوري، والله وحده يعلم بهم صلوات الله عليهم؛ وهذا ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا، وما عرفني إلا الله وأنت).
وأما غيرهم من الشيعة والموالين، فيكون الإرتباط بهم من خلال المحبة فقط؛ ولامجال ولا طريق لمعرفتهم أصلاً.
كان شخصٌ يحوم حول الإمام الصادق عليه السلام وكان فضولياً جداً – أعلموا أن الفضولية هي من أكثر ما يمكن أنْ يكون مبعداً عن الحق تعالى وعن إدراك ومعرفة الحقائق – وكان الإمام الصادق عليه السلام قد أتى من بعض أسفاره، فأتى بإبريق ليتطهر به ويتوضأ؛ عندما ذهب الإمام عليه السلام إلى بيت الخلاء لحقه ذاك الشخص حتى يتعرف على شيء من أمر الإمام عليه السلام؛ فعندما وصل إلى ذاك المكان صدرت رائحة عطرٌ فواحة لم يستطع أن يتحملها من شدتها؛ فعندما رجع قال له الإمام الصادق عليه السلام: (إن الأرض تبلعها).
يريد أنْ يقول له الإمام عليه السلام أنه لا مجال لأن تعرف أبسط التفاصيل عنا فإن معرفتنا وادٍ ممنوع.
هل تريدون أن تعرفوا كيف كانت عبادتهم؟ وما هو علمهم؟ وما هو تقواهم؟
لا مجال للإرتباط بهم إلا بمحبتهم، ولا طريق لمعرفتهم، فمعرفتهم واد ممنوع الدخول فيه أصلاً؛ فتشكلهم الذاتي صلوات الله عليهم لا مجال لمعرفته لا ظاهراً ولا باطناً.
السيد حيدر الآملي ينقل رواية منقولة عن العامة؛ تقول إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرسول صلى الله عليه وآله أتى إلى حجرتها.
فحاولت أن تقترب منه أكثر، ولكن ما أن قام يريد الذهاب حتى وضعت قناعها حوله لتضمه وتجذبه إليها، فمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا القناع.
هذا هو ظاهرهم؛ هل تريدون أن تعرفوه؟
ولكن ننقل لكم رواية شيعية في هذا المضمار:
أتى شخص لخدمة الإمام الحسن عليه السلام فسأل الإمام عليه السلام أن يخبره عن فضله شيئاً؛ فقال له الإمام عليه السلام أنه لن يستطيع؛ فأصر عليه، ولكن بعد أنْ أصرّ عليه كثيراً، همس الإمام عليه السلام في أذنه شيئاً، فشاب شعر الرجل لتوه، وصار يدور في المدينة كالمجنون، ثم صار يعدو إلى جهة الجبال كالمجنون حيث إختفى.
وكذا: (روي أن شخصاً أتى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقال: حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم، قال عليه السلام: إنك لن تطيق حمله، قال: بلى حدثني يابن رسول الله، أحتمله.
فحدثه الإمام الحسين عليه السلام بحديث فقال: فما فرغ الإمام الحسين عليه السلام حتى إبيضّ رأس الرجل ولحيته، وأنُسي الحديث، فقال الإمام الحسين عليه السلام: أدركته رحمة الله حيث نسي الحديث). كتاب الخرايج للقطب الراوندي ج 2 ص 195.
وهو قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً). سورة الأعراف الآية 143.
الإمام الصادق عليه السلام يقول إنّ النور الذي تجلى للنبي موسى عليه السلام كان نور أحد شيعتنا، وفي رواية أخرى أنه كان نور سلمان رضوان الله عليه.
في حديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ثم ثال إن موسى لما سأل ربه ما سأل، امر واحداً من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكاً). كتاب بصائر الدرجات ص 89.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الرابعة عشر حول ولاية أنبيار لآل الله ......
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يـــــــــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
31-10-2004, 02:49 PM
... المحاضرة الرابعة عشر حول ولاية الأنبياء لآل الله ... محاضرة من أهم المحاضرات مختصة بمولاتنا الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وليلة القدر.....
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
ولاية الأنبياء لآل الله:
إن مقام أهل البيت غيب لا يمكن إدراكه لأحدٍ من الخلق، بل هو من إختصاصهم صلوات الله عليهم، ومن هنا فإن كل محور المعرفة هو حول تجلياتهم صلوات الله عليهم؛ وكل ولاية الأنبياء عليهم السلام كانت حول معرفتهم والتعلق بهم ومحبتهم.
عندما أراد النبي عيسى عليه السلام أن يعبر وهو في المهد عن نبوته وإرتباطه، عبّر عن هذا الإرتباط بأنه أُعطي الكتاب؛ يقول النبي عيسى بن مريم عليهم السلام: (قال إني عبد الله آتانيّ الكتاب وجعلني نبياً). مريم الآية 30
فهنالك لم يكن للنبي عيسى عليه السلام قد أدى أي صلاة أو صيام، ولكنه مع ذلك كان عبد الله وكان نتاج هذه العبودية ظهور نور أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو الكتاب في وجوده، فنطق بما نطق من المعرفة والولاية لآل الله.
هنا نسأل النبي عيسى عليه السلام. يا نبي الله يا عيسى بن مريم، منْ أين لك أن تحيي الموتى وتشفي المرضى؟
يقول الإمام الصادق عليه السلام: إن ما كان عند عيسى بن مريم كان من عندنا أهل البيت؛ ونفس الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول أنه هو الذي أحيي موتى عيسى بن مريم.
عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى لأنه كان عالماً بالكتاب، وهذا الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام.
وقوله: (وجعلني نبياً) بمعنى أن لي إرتباطاً بالنبأ؛ وقد روي في بعض الروايات أن النبأ هو حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول صلوات الله عليه وآله: (أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم)، وهذا ما وُجد في كتاب نوادر المعجزات للطبري ص 33، فهذا النبي العزيز كانت له قدرةٌ معنويةٌ كبيرةٌ أخذها من الكتاب الذي كان بين يديه، وهو أمير الخلائق الإمام علي عليه السلام، بحيث كان ينبأ عن الحقائق الولائية والتوحيدية، فلذلك قال: (وجعلني نبياً).
ثم قال عليه السلام: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً). مريم الآية 33.
في هذا المورد يريد أنْ يقول: فكما أني علويّ أخذت الكتاب من سيدي ومولاي أمير المؤمنين عليه السلام، مذلم أنا فاطمي لي نسبة إلى مولاتنا الزهراء سلام الله عليها، لأن الصديقة الزهراء عليها السلام هي السلام ومنها السلام وإليها السلام.
النبي عيسى عليه السلام عندما يقول: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)؛ فإنه يريد أن تكون يد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها على رأسه يوم وُلد، ويوم يموت، وكذا يوم يبعث حياً.
إذا قرأ شخصٌ سورة القدر، وأدرك ليلة القدر، ففيهم عند ذلك معنى: (سلامٌ هي).
وهذا ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (من عرفها – أي من عرف السيدة فاطمة سلام الله عليها – فقد عرف ليلة القدر)؛ فالليلة هي الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها والقدر هو الله تعالى كما في بعض الروايات، فتكون السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي ليلة الله، أيْ مقام القيب الإلهي.
ثم إن للصوم إرتباطاً خاصاً بمولاتنا فاطمة سلام الله عليها؛ حيث يقول الرسول صلى الله عليه وآله: (الصوم جنةٌ من النار)، وسائل الشيعة للحر العاملي ج 10 ص 395؛ فإذا أراد شخص أن لا تقاربه النار بكل أنواعها، لا نار الشهوة ولا نار القيامة ولا نار الدنيا؛ لا بد أن يذهب إلى الصوم؛ ولكن هل تعلمون ما هو المقصود من الصوم؟
إن الله تعالى أعطى خصوية الصوم للمولاتنا الصديقة المعصومة الطاهرة المطهرة المحدثة البتول الحوراء الإنسية فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبيها وبعلها الكرار حيدر وبنيها وعلى السر المستودع فيها ولعنة الله على من آذى نبينا فيها؛ حيث يسأل الإمام الصادق عليه السلام أنه لما سميت فاطمة الزهراء سلام الله عليها كذلك، فيقول الإمام الصادق عليه السلام: (لأنها فُطمت وشيعتها من النار). كتاب بيت الأحزان للشيخ عباس القمي ص 24، فإن مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي الحماية الكلية والجُنة الكاملة من النار بكل أنواعها.
يقول السيد أحمد النجفي أنه: أتى شخصٌ لعنده وقال له إننا تحيرنا متى أول الشهر؟ ولا يمكننا على هذا أنْ نحصل ليلة القدر؛ فقلت له: نحن لا نحتاج إلى كل ليلة حتى ندرك ليلة القدر، بل ليلة القدر إنما تدرك بلحظة، فنفس الإمام الصادق عليه السلام هو الذي يقول أنه من عرف فضل أمي فاطمة سلام الله عليها فقد عرف فضل ليلة القدر؛ فمعرفة مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي معرفة ليلة القدر، ففي أي وقت تعرف فيها مولاتنا الزهراء سلام الله عليها تعرف ليلة القدر.
عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال في تفسير سورة القدر: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)؛ الليلة أمي فاطمة والقدر الله فمنْ عرف أمي فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فُطموا عن معرفتها). بحار الأنوار ج 43 ص 65.
فهي ليلة القدر، وهي أمة الله تعالى؛ فمن عرفها عرف فضل ليلة القدر.
روي عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام: (وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأول). الأمالي للشيخ الطوسي ص668.
هي سلام الله عليها قد أتت إلى هذه الدنيا فترةً قصيرةً، ولكنها كانت صلوات الله عليها قبل أنْ يوجد خلق ولم تكن معروفة لأحدٍ وما زالت حتى الآن غير معروفة.
وهذا السلام الذي هو من أسماء السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها هو من أسماء الله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر.) سورة الحشر الآية 23.
ومن هنا تجد أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان أول من يبادر بالسلام، وهو ناشئ من معرفة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بفاطمة سلام الله عليها؛ فكانت هذه المعرفة تدفعه صلوات الله وسلامه عليه وآله للإبتداء بالسلام، فقد ورد عندنا في الروايات أنه لم يكن أحدٌ يسبقه صلى الله عليه وآله وسلم بالسلام، وذلك أنه لم يكن من هو أقرب منه إليها صلوات الله وسلامه عليها.
وكذا النبي إبراهيم عليه السلام عندما تخلص من النار، إنما تخلص من النار ببركة الوجود الفاطمي سلام الله عليها.
فإن مولاتنا السيدة فاطمة سلام الله عليها هي التي تفطم شيعتها من النار؛ فعندما وضعوا النبي إبراهيم عليه السلام في المنجنيق، جاء النداء (قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم). إبراهيم الآية 69.
ولكن ما يدعو إلى العجب أن نفس السيدة فاطمة سلام الله عليها، التي إنما سميت فاطمة لأجل أنها فُطمت وشيعتها من النار، تدنو النار من بيتها وتحرق لها دارها!!
إن كل مفاتيح إرتباط الأنبياء والأولياء مع الله تعالى هي مولاتنا فاطمة سلام الله عليها.
الآن إنظر، لو نطقت بالصلاة بأي لفظٍ خارج عن مادة الصلاة وهيئتها فإنها تبطل، إلا السلام فإنه لو سلم أحدٌ عليك، فيجب عليك أن ترد السلام، لأن السلام حيثية مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها وهذه الحيثية العلوية التي هي الصلاة فلا يمكن أنْ ترد السلام ولو كنت في الصلاة.
هنا نشير إلى نكتة لطيفة، أنه عندما نسلم على المعصومين عليهم السلام نقول: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ السلام عليك يا أمير المؤمنين عليه السلام؛ السلام عليك يا أبا عبد الله (ع)؛ وكذا عندما نسلم على مولاتنا فاطمة سلام الله عليها نقول: السلام عليك يا فاطمة الزهراء سلام الله عليها؛ ولكن يوجد فرق بين السلام عليها وبين السلام عليهم السلام الله عليهم، فإن السلام سلام الله عليها سلامٌ ذاتي بمعنى أنها بنفسها سلام على نفسها؛ فإن السلام يبدأ منها ويرجع إليها؛ كما أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الصلاة، والصلاة عليه هو بنحوٍ ذاتي له على نفسه صلوات الله عليه؛ فمنه الصلاة وإليه ترجع الصلاة.
وهذا هو معنى الرواية المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالعضو من المنكب، والكذراع من العضد، وكالكلف من الذراع، رباني صغيراً، وآخاني كبيراً، ولقد علمتم أني كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه غيري، وأنه أوصى إليّ دون أصحابه وأهل بيته، ولأقولن ما لم أقله لأحدٍ قبل هذا اليوم، سألته يوماً أن يعدو لي بالمغفرة، فقال: قائل: اللهم بحق علي عندك أغفر لعلي، فقلت يا رسول الله ما هذا! فقال: أو أحدٌ أكرم منك عليه فأستشفع به إليه!!) شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد ج 20 ص 326.
يسأل الإمام الصادق عليه السلام: يابن رسول الله لماذا سميت السيدة فاطمة سلام الله عليها بفاطمة؟
يقول لأن الخلق فطموا عن معرفتها؛ كتاب بحار الأنوار ج 43 ص 65، وفي يوم القيامة عندما تنكشف الحقائق لكل الناس، تبقى مولاتنا فاطمة سلام الله عليها محجوبةٌ وغير معروفة عن الخلق حتى يوم القيامة.
عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ثم ينادي منادٍ من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر بنت حبيب الله إلى قصرها، فتمر فاطمة بنتي). بحار الأنوار ج7ص336.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الخامسة عشر حول مراودات الوصال الرابع المستحب أمرٌ عشقي....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
... المحاضرة الخامسة عشر حول المستحب أمرٌ عشقي ....
مرادوات الوصال الرابع:
المراودة الأولى: المستحب أمرٌ عشقي:
الإبتداء بالسلام مستحبٌ لأنه أمرٌ عشقي، وههنا قاعدة عامة أنّ كل من لم يكن عاشقاً لا يمكنه أن يؤدي المستحبات، ومن هنا تجد أن كلّ من لم يكن له عشق قلبه لله تعالى لا يمكنه أنْ يقوم لصلاة الليل (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)...
المراودة الثانية: جلال الدين الرومي:
جلال الدين الرومي كان من قبيلة روم المعروفة بالتصوف.
وقد كانت كل هوية الرومي فانيةً في شمس التبريزي، ولم يكن له أيّ شك في شيخه وأستاذه، بل كان مستغرقاً في هذا الرجل الإلهي وفانياً فيه.
كل محبة مريد بالنسبة إلى مراده ومعشوقه وشيخه موجبةٌ للألم والعذاب والملامة من قبل الناس.
ولكن عندنا على جلال الدين الرومي عتاب ومحاكمة ولائية أنه لو لم يعرف هذا الرجل الإلهي للناس، ولو لم يقل: شمسي (مقصود أستاذه شمس التبريزي) إلهي، لما كانوا أقدموا على قتل شمس؛ ومن هنا تجد أن الولاية التي قدمها أهل البيت عليهم السلام للناس محفوظة من كل الجهات، مع كل الملامة التي كان الشيعة يوجهونها من قبل العوام.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الخامسة عشر حول الوصال الخامس في التقوى ....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يـــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
31-10-2004, 08:25 PM
... المحاضرة السادسة عشر حول الوصال الخامس في التقوى ....
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
الوصال الخامس: في التقوى:
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) سورة البقرة الآية 285
معني التقوى:
بعد أن تبين أن الهداية على قسمين: هداية القرآن وهداية الكتاب؛ نريد في هذا المقام أن نبي أنّ هداية الكتاب مشروطةٌ بحالةٍ خاصةٍ وهي التقوى.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين). إن الهداية الخاصة بالكتاب لا يمكن تحققها ما لم تكن التقوى متحققةٌ في وجود الإنسان؛ ولكنْ هذه التقوى هي غير التقوى الظاهرية المعلومة عند الناس، فإنّ التقوى المعلومة هي أداء الواجبات وترك المحرمات، ولكنّ التقوى التي هي شرط تحقق هداية الكتاب في وجود المؤمن ليست محدودةً بهذا الحدّ، وإنْ كان هذا الحد ه لوازم التقوى الحقيقية التي نحن بصدد الكلام عنها.
فالتقوى التي هي آخر وصية لأمير المؤمنين عليه السلام لإبنه الإمام الحسن عليه السلام ليست هي الحفاظ على الجوارح من المعصية، فإن الوقوف عند هذا النحومن التقوى ليس وارداً في حق المعصوم عليه السلام، فإن الأئمة عليهم السلام أعظم من أنْ يقيّدوا بهذا الحد.
عن زيد بن أرقم قال: (كنت بمكنة والإمام الحسن بن علي عليهما السلام بها، فسألناه أنْ يرينا معجزة لنتحدث بها عندنا بالكوفة، فرأيته تكلم ورفع البيت حتى علا به في الهواء، وأهل مكة يومئذ غافلون منكرون فمن قائل يقول: ساحر، ومن قائل يقول: أعجوبة، فجاز خلق كثير تحت البيت والبيت في الهواء، ثم رده). كتاب القطرة للسيد أحمد المستنبط ج 1 ص 282.
وهذا التصرف في شؤون عالم الوجود موجود في كل الأئمة عليهم السلام، فلا يجوز في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم أنْ نقول أن تقواهم هي بنحو كف الجوارح عن المعصية، بل هو من أبسط لوازم التقوى الناتجة عن تصرفهم في كل ذرات عالم الوجود.
نقول بكل صراحة وبطمأنينة، معنى (إتقوا الله) لم يعلم حتى الآن معناه المتعلق بالتوحيد، وإلا لو كشف المعنى لصار الكل أولياء الله.
إن فتح باب معرفة التقوى الحقيقية يفتح أبواب المعارف التوحيدية والولائية بنحوٍ واسعٍ، وعند ذلك تتضح أسرار كل العبادات الشرعية.
على سبيل المثال، عندما يقول تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمُنكر). العنكبوت الآية 45.
فمعنى هذه الآية الأولي أنّ كلّ من يؤدي الصلاة لا بد أنْ ينتهي عن الفحشاء والمنكر، ولكن أنتم تجدون بوضوح أنكم تصلون هذه الصلاة لكن لا تنتهون عن الفحشاء والمنكر؛ ففي المقام إحتمالان: إما أنْ تقولوا أن الصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا غير ممكن لأن الله تعالى أصدق القائلين؛ والإحتمال الثاني أنْ نقول إنّ الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ليست هي هذه الصلاة التي نصليها.
الآن قد يقول قائل إن الصلاة لها شرائط ومهمات لا بد أنْ تتجز حتى تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإلا فهي نفس هذه الصلاة التي نصليها مع وجود الشرائط التي لها.
فنقول في مقام الجواب أننا نريد أنْ نرى ما هي الشرائط الواقعية والحقيقة الواقعية للصلاة التي تجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر، بمعنى أن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر لها حقيقة واقعية ونريد أن نرى ما هي؟
ولكن أنت حتى الآن لم تعرف الصلاة، وكذا التقوى حتى الآن لم يعرف معناها.
نريد أن نسأل أنه عندما يقول الله تعالى: (إتقوا الله) فما هو المقصود من قوله تعالى وتقدس؟
في اللغة عندما يقال: (إتق نفسك من الأسد)؛ فهو بمعنى أنْ لا تقترب الأسد، حتى تأمن منه.
نريد أنْ نقول في هذا المقام، أن تقوى الله تعالى هي تنزيه لله تعالى عن أي وصف وإسم ورسم.
وبعبارة واضحة، تقوى الله عز وجل هي بمعنى أنْ لا تقرب جانب الله تعالى بإثبات صفات له، لأن كل ما تثبته له تعالى من أوصاف وتنفي عنه من نقائص إنما هو ناتج من ظرف خيالك ووهمك، فهذا الإله التي تثبته وتثبت له صفات وتنفي عنه نقائص أخرى إنما هو إله المتكلم والفيلسوف.
فعندما نقول: إتق الله، فهو بمعنى أنْ لا تقرب جانب الله تعالى. أساس التقوى هو ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: (كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم، ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فإن ذلك كمالها ويتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما، وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به). بحار الأنوار ج 66 ص 292.
فكل ما يرد في ذهنكم عن الهل تعالى ليس هو الله، بل هو ما صنعته أوهامكم وأذهانكم.
وهذا إلى حد ما شبيه بما ذكره المنطقي من تعريف للإنسان بأنه حيوان ناطق؛ فهو تعريف بالجنس والفصل وتحديد له بكل أصناف التحديد والتقييد؛ في حين أن الله تعالى عندما ذكر الإنسان جعله في تلك المرتبة السامية:
(إنما عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان). سورة الأحزاب الاية 73.... فهل هذا هو الحيوان الناطق!!!
وحقيقة هذه المعرفة ليست موجودة لدى العقل ولا هي عند جبرائيل عليه السلام حتى؛ فهذا كله موجود في الكتاب، ولكن حتى تعلم الكتاب لا بدّ أن تتق الله تعالى.
فكل ما تنسبه لله تعالى، لا بد أن تنزه الله عنه: (وكمال التوحيد نفي الصفات عنه).. بحار الأنوار ج 4 ص285، وهذا هو التوحيد العلوي..
كل الأنبياء جعلوا لله صفات ولكن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نفى عنه الصفات لأنه مستلزمٌ للشرك.
هل رأيتم كم الطريق شاق لمعرفة هذه الحقائق.؟!!!
فلو لم يظهر أمير المؤمنين عليه السلام في هذا العالم، لما ظهر حرفٌ واحدٌ من حروف التوحيد.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة السابعة عشر حول أهل البيت عليهم السلام هم طريق معرفة الله ....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
01-11-2004, 06:45 PM
... المحاضرة السابعة عشر حول أهل البيت عليهم السلام هم طريق معرفة الله ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
أهل البيت عليهم السلام هم طريق معرفة الله:
ومن هنا، لا بدّ أنْ يعلم أنْ طريق معرفة الله تعالى منحصرٌ بطريق أهل البيت عليهم السلام ولا مجال لمعرفته من دونهم، لأنّ معرفته تعالى وتقدس لا تكون إلاّ بالتقوى والعجز عن معرفته، وهذا إنما يكون بحطّ الرحال عند ساحتهم صلوات الله عليهم.
نعم، بعض الجهلة قد يقول إنه بالإمكان معرفة التوحيد ومعرفة الله تعالى من دون الحاجة إلى الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى أمير المؤمنين عليه السلام؛ وهكذا قائل لا يستحق منا الجواب.
إن البعض قد وصل إلى مراتب التوحيد بالإستفادة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة وغيرها، ولكنّ البعض الآخر لم يسمع بخطبة ولا بأي كلمة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام المكتوبة ولكن نال ما نال من حقائق التوحيد من نفس الإمام عليّ عليه السلام فنال هذه الموهبة العظيمة وصار موحداً؛ فـ(من وحدهّ قَبِل عنكم). مفاتيح الجنان الزيارة الجائمة للأئمة المعصومين صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين.
كل من يريد أن ينتقش التوحيد في وجوده لا بدّ أن تكون قبلتُه الإمام عليه السلام.
يقول تعالى في كتابه الكريم: (عمّ يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هُم فيه مختلفون * كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون). سورة النبأ الآية 1-5.
كلّ ما كنتم تعتقدون به، لا بدّ أن تضعوه جانباً حتى يملأ الله ووليه بنفسه، وإلا فإنّ الله عزيزٌ لا يقبل أنْ يملأ وعاءاً ملأته أنت بنفسك من أوهام وأفكار إصطنعتها بنفسك.
يقول تعالى: (وإنه في أُم الكتاب لدينا لعليٌ حكيم)؛ ويقول كذلك: (فاعلموا أن الله عزيزٌ حكيم).
فإن الله تعالى العليّ العزيز الحكيم لا يقبل أنْ يضع حكمته ومعرفته في وعاء ملوث بأفكارك وأوهامك.
فمعنى قوله تعالى: (كلا سيعلمون) أنْ إغسل وعاءك؛ قبل أنْ يضع الله فيه ما عنده.
هذه التقوى المناسبة لا بدّ أنْ تكون بهذا المستوى حتى تعلم الكتاب، بحديث تنزّه الله عن كل ما لا يليق بساحته المقدسة، وترفع اليد عن كل معرفة بشرية في الله تعالى، وأنْ لا تجعل نفسك معياراً وميزاناً في معرفته تعالى، فإن المعرفة اللائقة بالله تعالى وتقدس لا بدّ أنْ تكون معرفة إلهية مفاضةً منه عزّ وجلّ.
آصف بن برخيا لم يكن نبياً ولم يكن وصي نبي؛ فعندما أتى للنبي سليمان (ع) ولم يجد الهدهد، مع العلم أن النبي سليمان كان قد علم بغياب الهدهد بعد عدم رؤية ظله، بل وجد الشمس ساطعة في موضعه؛ وهاهنا لطيفة، حيث إستدل على عدم وجود بعدم وجود ظله؛ (وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد * أم كان من الغائبين). سورة النمل الآية 20.
نحن نحتاج إلى ليالي رمضانية طويلة حتى نتحدث عن حركة هذا الهدهد.
هنا بين الهدهد حقيقةً ما للنبي سليمان عليه السلام، وبعد أن اطلع على هذه الحقيقة أعطى النبي سليمان عليه السلام أمره بإحضار العرش.
فقال: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أنْ يأتوني مسلمين)... سورة النمل الآية 38.
(قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين). النمل الآية 39.
(قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك بهِ قب أن يرتد إليك طرفُك). النمل الآية 40.
فعندما فتح النبي سليمان (ع) عينه وجد العرش (قال هذا من فضل ربي). النمل الآية 40.
الآن، من قال: (قال هذا من فضل ربي)؟؟؟ هل هو النبي سليمان (ع) أن آصف بن برخيا؟
على كل حال، طوبى لمن قال هذا؛ سواء أكان النبي سليمان (ع) أم آصف؛ فإن هذا العبد الشكور لم ينسب هذا لفعل لنفسه، بل نسبه إلى فضل ربه.
يقول تعالى: (قال كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب). سورة الرعد الآية 43.
آصف بن برخيا إنما أخذ ما كان عنده من العلم وقد صار هذا العلم موجباً له بأن يأتي بالعرش من تلك الذات المقدسة غير المعروفة.
تقوى آصف بن برخيا كانت بنحوٍ أنّ كل ما كان عنده كان يرفع يده عنه، وينسبه إلى الولي؛ وهذا من اللوازم الخاصة الحقيقية.
لا بدّ أن يعلم أن الكمالات الباطنية ليست بالتعليم والتعلم والأستاذ وليست بالرياضة حتى ولا بالذكر.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة الثامنة حول طريق معرفة الحق تعالى ....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يــــــــ علي مدد ــــــــــا
يا علي مدد
02-11-2004, 10:22 PM
... المحاضرة الثامنة عشر حول طريق معرفة الحق تعالى ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
طريق معرفة الحق تعالى:
فالحق تعالى منزهٌ عن كل إنضمام وإضافة، فهو منزه عن كل تقرب من أيّ شخص، وإلا أنْ يكون عن طريق المعصومين الأربعة عشر.
وبعبارة أخرى، نقول إن المعرفة عن الله تعالى إنما تكون بنورانية الأئمة عليهم السلام؛ يقول أمير المؤمنين علي السلام: (يا سلمان ويا جندب قالا لبيك يا أمير المؤمنين قال ع معرفتي بالنورانية معرفة الله عز وجل ومعرفة الله عز وجل معرفتي بالنورانية وهوالدين الخالص الذي قال الله تعالى: (وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). سورة البينة الآية 5، كتاب بحار الأنوار ج26ص1.
فقد جعل أمير المؤمنين عليه السلام معرفة الله عز وجل عين معرفته صلوات الله عليه، وهذا واضح لأنهم صلوات الله عليهم هم أسماء الله عز وجل ولا تتسنى المعرفة لمقام الذات الإلهية المقدسة لأن الذات غير موصوفة بوصف ولا مسماة بإسم.
بل إنّ كل عمل يؤدى قربةً إلى الله تعالى، لا يمكن أن يتحقق فيه وصف القربة إلا أنْ يكون بمجرى محمد وآل محمد صلوات الله عليهم.
إذا أردت أنْ تصل إلى أي مقامٍ في التوحيد، فإن ذلك لنْ يحصل لك ما لم يكن بجانب محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (ولولا نحن ما عرف الله). التوحيد للصدوق ص 290.
فو صليت الصلاة التي هي أفضل العبادات وأديت أفضل الصوم، ولم يكن بأمر النبي وآل البيت عليهم السلام، لا قيمة لها أصلاً، ولا يحصل التقرب أصلاً إلى الله بدونهم، لأن الذات الإلهية المقدسة غير معروفة، بل إنّ وصفها بأنها غير معروفة وصف، والله منزه عن كل وصف، وهو نفس ما أفاده الإمام الباقر عليه السلام: (كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوقٌ مصنوعٌ مثلكم مردود إليكم). بحار الأنوار ج 66 ص 292.
الآن، نريد أن نقول لكم جملةً واحدةً:
نحن بكل صراحة ووضوح عبيد آل محمد لا غير، وأنت أيها الشيعي الموالي لا ينبغي أن تخشى من شيء حتى تقول هذه الكلمات؛ وإلا فكل العبادة التي تعرفون مضمونها ووجهتها موجودةٌ عند كل الناس من أعداء الله وأعداء آله صلوات الله وسلامه عليهم.
مقام عبد الله لا يتحقق ولا يكون إلا بطريق جلال آل محمد صلوات الله عليهم.
أنتم فروضي ونفلي *** أنتم حدثي وشغلي
يا قبلتي وصلاتـي *** إذا وقفـت أصلي
جمالكم نصب عيني *** والقلب طور التجلي
نوديت منه كفاحا *** مـن هيبة المتجلي
ديوان إبن االفارض، ص 175، طبعة دار صادر بيروت...
أيها الناس، لا يوجد لدينا طريقٌ إلى الله عز وجل غير طريق معرفة محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين؛ بل لا يتحقق أي قرب أو معرفة من دونهم صلوات الله عليهم.
الإمام الصادق عليه السلام في كل عمره كان يقول وخاصة للخواص من أصحابه أن الصلاة على مل هي عليه من الفرض والأهمية لا يمكن إلا أن تكون عن طريق آل محمد عليهم السلام؛ وكذا الذنب، فإن تركه لا بد أن يكون عن طريق آل محمد؛ وإلا لا يُكتب لك الثواب ترك الذنب؛ فببركة هؤلاء الكمل من آل الله لا بدّ أن تقوم بكل أعمالك وطاعاتك ولا بدّ أن تكون معرفتك متعلقة ببركة جمالهم وجلالهم صلوات الله عليهم.
الصلاة هي رمز التقرب إلى الله عز وجل، ,هي عظيمة بنحوٍ أن أحداً لا يدرك أهميتها وخطورة مقامها، وأهميتها هي بنحوٍ أن الله بنفسه تعالى وتقدس يصليها: (إن الله وملائكته يصلون على النبي).
ولكن هل التفتم أن الصلاة هي التي لها هذه الأهمية أي صلاة هي؟
لا شك أنها تلك الصلاة هي التي يصليها الله عز وجل، وليست هي الصلاة التي يصليها الناس.
الإمام الصادق عليه السلام في وصيته الأخيرة لأصحابه يقول: (لا ينال شفاعتنا من إستخف بصلاة). كتاب بحار الأنوار ج 47 ص 8.
هل تظنون أن الصلاة التي لا تُنال الشفاعة بدونها هي هذه الصلاة التي نصليها من الركعات المعلومة؟
لا، ليست هي.
بل الصلاة التي لا تُنال الشفاعة بدونها هي الصلاة على محمد وآل محمد، وتعيين هذا الإحتمال إنما هو بقرينة السياق، لأن الإمام الصادق عليه السلام إنما هو بصدد الكلام عن الشفاعة، والشفاعة هي نفس الصلاة والوصل.
وقوله تعالى: (فويلٌ للمصلين * الذي هم عن صلاتهم ساهون)؛ يشير إلى هذا المطلب؛ فإن الصلاة التي لا يكون متلبساً بها الرجل لا يمكن أنْ يكون ساهياً عنها، فتكون الصلاة المَسهي عنها هي الصلاة على محمد وآل محمد.
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة التاسعة عشر حول ولاية آل الله هي بلاء الأنبياء ....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يـــــــــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــــــــــا
يا علي مدد
03-11-2004, 11:11 PM
... المحاضرة التاسعة عشر حول ولاية آل الله هي بلاء الأنبياء ...
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
أللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وإلعن أعدائهم
ولاية آل الله هي بلاء الأنبياء:
ومن هنا لا بدّ أن تلتفتوا أن المجرى الوحيد لمعرفة الله تعالى هو معرفة محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا يعني أنْ كل تقصير في معرفتهم سوف يكون تقصيراً في معرفة الله تعالى، لأن معرفتهم هي نفس معرفة الله كما في حديث النورانية عن أمير المؤمنين عليه السلام.
وكذا أيْ شك في ولايتهم سوف يكون شكاً في أمر الله تعالى لأنهم أمر الله تعالى، ومن هنا تجد أنّ كلّ الأنبياء إنما كانوا يبتلون بولاية آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم في طريق التوحيد ومعرفة الله تعالى، وكل البلاءات التي كانت تنصب عليهم كانت بسبب الغفلة عن ولايتهم ولو بدرجة بسيطة؛ وهذه الدرجة لا تؤثر على نفس العصمة المثبتة لهم.
النبي موسى عليه السلام وقعت عليه فتنة، ولكن كام لها حقائق كامنة ورائها تكشف عما كان في حقيقة نفسه فقال: (إنْ هِيَ إلا فتنتكَ). سورة الأعراف الآية 155.
الإمام الصادق عليه السلام يقول إن هذه الفتنة كانت مرتبطة بنا أهل البيت عليهم السلام.
يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ النبي موسى عليه السلام إنما إبتلي ما إبتلي من البلاء مع فرعون لأنه توقف لحظة في أمر ولايتنا، وإنْ كان قَبِلَ هذه الولاية في نهاية المطاف، ولكن لأنه توقف لحظة في هذا الأمر، نال ما نال من البلاء؛ فقبوله لولايتنا كان متأخراً.
إذا طرفت طرفة واحدة في أمر آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين سواء في التوجه أو الإعتقاد أو كنت متوجهاً ولكن غفلت عن هذا التوجه، فإن كل هذا يكون موجباً لصدور البلاءات؛ وهذا هو أمر الله تعالى؛ ومن هنا إلتفتوا أنّ كلّ من ينكر أمراً واحداً من شؤونهم، وفضيلةً واحدةً من فضائلهم صلوات الله عليهم فإن ذلك يكون موجباً إنصباب البلاءات عليه صباً حتى يقبل هذا الأمر في النهاية، ولا يرفع عنه هذا البلاء إلا أن يقبله.
الإمام الصادق عليه السلام يقول بأنه هل تعلمون لماذا رُمي النبي إبراهيم عليه السلام في المنجنيق؟ السبب أنه تأمل لحظة واحدة في أمرنا ثم أقر بعد ذلك.
لماذا أخرج النبي آدم أبو البشر عليه السلام من الجنة؟
السبب أنه عندما أُمر بعدم الإقتراب من الشجرة: (ولا تقربا هذه الشجرة)، وقد كانت هذه الشجرة الولاية، فعندما رآها نظر إليها نظر الحسد وإقترب منها فنال ما نال من الإبعاد.
الإمام الصادق عليه السلام يقول إنّ أقرب الناس إلى النبي عيسى عليه السلام كانوا اليهود، وقد إبتلى بهم وذلك بسبب أنه شك في ولايتنا ولو للحظة واحدة.
ولكن التفتوا إلى أن كل هذا الصادر من الأنبياء عليهم السلام لا يضر في أمر عصمتهم، وأما ما وقعوا فيه من أمر ولاية أهل البيت عليهم السلام فقد كان بحسب إستعدادهم لتلقي هذا الأمر العظيم التي عجزت السموات والأرضين أن تحمله... ينبغي على الموالي التوسل لرفع الإستعداد القلبي لتلقي هذا الأمر، وواقع الحال أن كل البلاءات التي يلقاها العبد إنما هي مندرجة في إطار النقص الحاصل من عدم تلقي أمر الولاية على حقيقته وعظمته، وأهل البلاء ينزل بالمقدار الذي يكون فيه المرء مهيأ لهذا التلقي.
كل من يغفل في لحظة واحدة، فإن باب الرحمة يكون مغلقاً له في تلك اللحظة؛ ومن هنا، فلا بد أن يتوب ثم يأخذ الإجازة في الرجوع.
رزقنا الله الوصال مع آل محمد والصلاة عليهم صلوات الله وسلامه عليهم.
مرادوات الوصال الخامس:
المراودة الأولى: التسليم المولي المطلق:
إن جهنم موجودة في متن القرآن؛ فقد يكون شخصٌ معه القرآن وهو في جهنم؛ فإن أساس النجاة والهداية هو التسليم لأمر الولي المطلق بإعتبار انّ الأمر كله يرجع إليه، فإنه صلوات الله عليه وآله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
أيها الشيعي الموالي، لا يستقيم الأمر بأن تعيّن الطريق لنفسك إلى ولايتهم، فإن الطريق طريقهم وهم أربابه فهم من لهم الولاية أن يعينوه كما يشاؤون ولكن ما عليك هو أن تقبله ليس إلا، فإن آل محمد عليهم الصلاة والسلام أعز وأجل من أن يكون الطريق إليهم بتعيين الناس.
قدم واحدة في طريق غير طريقهم، سوف تكون نتجيته: (واتل عليهم نبأ من أتيناه فانسلخ منها).سورة الأعراف الآية 175.
هذا بلعم بن باعورة؛ كان قد أوتي من الآيات الكثيرة؛ ولكنه سلك سبيلاً واحداً وخطوةً واحدةً في غير طريق الحق المعين له؛ فبلعم بن باعورة أتى ناحية النبي موسى عليه السلام وكان له يقين به، ولكنه أتى النبي موسى عليه السلام وقال له أن ما لديك منه عندي منه: (فأخذت قبضة من أثر الرسول) سورة طه الآية 96.
حاذروا أن تختبروا الشيخ أو المرشد، ولو أردتم أنْ تروا أنّ ما أعطاكم إياه صحيح أو لا، فسوف تنصب عليكم البلاءات الكثيرة التي لن تحتملوها.
المراودة الثانية: ماء الذهب:
يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، سورة العنكبوت الآية 69؛ الجهاد الحقيقي في هذا المقام هو كتمان أمرهم صلوات الله عليهم، فلا تظن أن المجاهدة هي بالصلاة، أو بالصوم، أو بالـ... فهذه كلها قد ينطلي عليها الرياء والنفاق.
كلّ وِرد أو عمل يكون خالصاً لهم صلوات الله عليهم ولا يكون من الأعمال أو العبادات المشتركة بيننا وبين الطوائف الأخرى يكون أنقى وأكثر تأدية لولايتهم.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: (نفس المهموم بظلمنا تسبيح وهمّه لنا عبادة وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله).
ثم قال أبو عبد الله الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (ينبغي أن يكتب هذا الحديث بماء الذهب).. وسائل الشيعة ج 18 ص 57.
تتبع إن شاء الله غداً بالمحاضرة العشرون حول الوصال السادس في حقيقة التنزيل ....
نسألكم الدعاء وفي أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ......
أخوكم
يـــــــــــــــ علي مدد ـــــــــــــــــــــــــــا
نقاء القلب
04-11-2004, 12:22 AM
شكر لكم وأثابكم الله خير بحق أهل البيت على هذا الطرح الشيق والمعلومات التي أنارتنا
موفقين إن شاء الله]
يا علي مدد
12-11-2004, 11:20 PM
أعتذر كثيراً على التأخر والتوقف على عرض المحاضرات، ولكن كما تعلمون دخلنا من فترة قصيرة في ليالي القدر
عظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وآله
وإن شاء الله سنكمل المحاضرات بعد شهر رمضان المبارك بإذن المولى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
يــــــــــــــــــــــــــ علي مدد ــــــــــــــــــــــــــــــا
Powered by vBulletin® Version 4.1.8 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir